وجود روابط متينة بين «المدائح النبويّة» و «البديعيات» ، ثمّ بين هذه والتأليف البديعيّ.
والذي يتبادر إلى الذهن هو السؤال التالي: ما أسباب نشأة البديعيّات؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ البديعيّات لم تنشأ بين ليلة وضحاها، بل تضافرت حولها عوامل ودوافع عدّة وتفاعلت وتكاملت حتى أخرجتها إلى حيّز النور مكتملة الخلق سويّة ثمّ إنّ هذه الدوافع لم تتوقّف مع ظهور هذا الفنّ، بل استمدّت قوّتها من أعماق التراث والبيئة وانطلقت تحرّض على نشأته ليكون نتيجة طبيعيّة لها، واستمرّت ترافقه في كلّ أطواره تغذّيه وتنمّيه وتساعده على رحلته الطويلة في التراث العربيّ.
ومن يطّلع على نصوص البديعيات وما تضمّنته من إشارات، يجد أنّ هناك دوافع مكنونة وراءها وأسبابا متلازمة دفعت هذا الفنّ إلى الظهور والتقدّم والنضج. ولعلّ أهمّ هذه الدوافع:
أالرغبة في التأليف البلاغيّ عامّة والبديعيّ خاصّة:
فبدافع معرفة إعجاز القرآن الكريم وفهم ما ورد في آي الذكر الحكيم، نشطت حركة التأليف في البلاغة عامة، وفي البديع خاصّة، فهذا صفيّ الدين الحلّيّ ناظم أوّل بديعيّة يصرّح في مقدّمة شرحه لبديعيّته بأنه اعتزم على تأليف كتاب في البلاغة، وذلك انسجاما مع تلك الحركة الناشطة في التأليف البلاغيّ في عصره، لولا أنّ علّة لازمته فعدل عن تأليف كتاب في البلاغة إلى تأليف منظومة يجعلها بمثابة كتاب لقواعد فنّ البديع، فكانت غايته الأولى إذا تأليف كتاب يضمّ أنواع البديع التي وصل إليها والتي استخرجها من مطالعاته وقراءاته. ولنستمع إليه في مقدّمة شرحه لبديعيته يقول: «فإنّ أحقّ العلوم بالتقديم وأجدرها بالاقتباس والتعليم، بعد معرفة الله العظيم، معرفة حقائق كلامه الكريم وفهم ما أنزل في الذكر الحكيم، لتؤمن غائلة الشكّ والتوهيم، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن فجمعت ما وجدت في كتب العلماء، وأضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء، وعزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها، فعرضت لي علّة طالت مدّتها وامتدّت شدّتها، واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبيّ، عليه أفضل الصّلاة والسّلام، يتقاضاني المدح، ويعدني البرء من السقام، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم
قصيدة تجمع أشتات البديع وتتطرّز بمدح مجده الرفيع» (1) . وإن دلّ قوله على شيء فإنّما يدلّ على الرغبة والعزم عنده على التأليف البديعيّ قبل كلّ شيء، ولولا تلك الرؤيا ربّما لم تكن فكرة نظم الأنواع البديعية في قصيدة قد خطرت بباله أو اختلجت في ذهنه وإن كان مسبوقا إلى مثل تلك الفكرة من قبل يحيى بن عبد المعطي الزّواوي وأمين الدين الإربليّ (2) ، ثمّ دأب دأبه كلّ من سار بعده على نهجه، وما الأنواع الجديدة التي أتت بها البديعيات بعده إلّا دليل واضح على وجود تلك الرغبة عند غيره من ناظمي البديعيّات.