فبدافع معرفة إعجاز القرآن الكريم وفهم ما ورد في آي الذكر الحكيم، نشطت حركة التأليف في البلاغة عامة، وفي البديع خاصّة، فهذا صفيّ الدين الحلّيّ ناظم أوّل بديعيّة يصرّح في مقدّمة شرحه لبديعيّته بأنه اعتزم على تأليف كتاب في البلاغة، وذلك انسجاما مع تلك الحركة الناشطة في التأليف البلاغيّ في عصره، لولا أنّ علّة لازمته فعدل عن تأليف كتاب في البلاغة إلى تأليف منظومة يجعلها بمثابة كتاب لقواعد فنّ البديع، فكانت غايته الأولى إذا تأليف كتاب يضمّ أنواع البديع التي وصل إليها والتي استخرجها من مطالعاته وقراءاته. ولنستمع إليه في مقدّمة شرحه لبديعيته يقول: «فإنّ أحقّ العلوم بالتقديم وأجدرها بالاقتباس والتعليم، بعد معرفة الله العظيم، معرفة حقائق كلامه الكريم وفهم ما أنزل في الذكر الحكيم، لتؤمن غائلة الشكّ والتوهيم، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن فجمعت ما وجدت في كتب العلماء، وأضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء، وعزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها، فعرضت لي علّة طالت مدّتها وامتدّت شدّتها، واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبيّ، عليه أفضل الصّلاة والسّلام، يتقاضاني المدح، ويعدني البرء من السقام، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم
قصيدة تجمع أشتات البديع وتتطرّز بمدح مجده الرفيع» [1] . وإن دلّ قوله على شيء فإنّما يدلّ على الرغبة والعزم عنده على التأليف البديعيّ قبل كلّ شيء، ولولا تلك الرؤيا ربّما لم تكن فكرة نظم الأنواع البديعية في قصيدة قد خطرت بباله أو اختلجت في ذهنه وإن كان مسبوقا إلى مثل تلك الفكرة من قبل يحيى بن عبد المعطي الزّواوي وأمين الدين الإربليّ [2] ، ثمّ دأب دأبه كلّ من سار بعده على نهجه، وما الأنواع الجديدة التي أتت بها البديعيات بعده إلّا دليل واضح على وجود تلك الرغبة عند غيره من ناظمي البديعيّات.
ب الرغبة في مدح النبيّ محمّد، (صلى الله عليه وسلم) ، واتّحادها مع رغبة التأليف:
سبق أن أشرت إلى علاقة البديعيّات بالمدائح النبوية، وإذا رجعنا إلى القول السابق لصفيّ الدين الحلّيّ يتّضح لنا أنّ هناك سببين دفعا به إلى نظم بديعيته، وهي البديعيّة الأولى التي اجتمعت فيها الرغبة في مدح النبيّ، (صلى الله عليه وسلم) ، والرغبة في التأليف البديعيّ، فكان كلّ منهما رديفا للآخر. ويلاحظ أنّ النازع الدينيّ قد سيطر على كلّ نظّام البديعيات فيما بعد، فجلّهم كان من الصوفيّة، كما سيطر على أصحاب البديعيات من النصارى الذين اعتمدوا هذا الفنّ في مرحلة متأخرة، وبهذا كانت هاتان الرغبتان متكاتفتين متلازمتين لتساعدا على ظهور هذا الفنّ واستمراره.
ج اجتماع الشاعريّة والتأليف عند ناظم البديعيّة:
إذا ما نظرنا نظرة عامة إلى ناظمي البديعيّات بدءا بصفيّ الدين الحليّ وانتهاء بآخرهم نستنتج أمرين هامّين:
أوّلا: أنّ ناظم البديعية شاعر متمرّس، عرك القوافي فانقادت له، واستحسن شعره الناس ورضوا عنه فوضعوه في المرتبة الأولى من القبول والإعجاب، فصفيّ الدين الحليّ، وعزّ الدين الموصلي، وشعبان الآثاري، وابن حجة الحمويّ، وعائشة الباعونية، وجلال الدين السيوطيّ، وعبد الغني النابلسيّ وغيرهم كانت لهم أشعار كثيرة إلى جانب بديعيّاتهم التي بلغت الذروة بين أغراضهم الشعريّة.
ثانيا: أنّ ناظم البديعية مؤلّف له مؤلّفات معروفة، ولولا اجتماع صفة التأليف عنده مع صفة الشاعرية لما أنتج بديعيّة مقبولة، ولربّما غدت مقدرته تلك كغيرها من
(1) شرح الكافية البديعية ص 51، 54.
(2) سيأتي الكلام عليهما.