فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1046

الكتب المسطّرة. وما يشهد بذلك مؤلّفات صفيّ الدين الحليّ وابن حجة الحمويّ وعبد الغني النابلسيّ وغيرهم، وحسبهم ما ألّفوه من شروح حول بديعيّاتهم ليشهد لهم بقدرتهم على التأليف ولا سيّما في هذا الفنّ الطريف فكثيرا ما كان يعكف ناظم البديعية على بديعيته شرحا ودراسة لما تضمّنته من فنون البديع، ويقدّم بين يديها الأمثلة والشواهد الكثيرة، حتّى غدت شروحهم تلك معارض للأدب وخزائن للبلاغة العربية، وهذا يشهد بغزارة معارفهم وما يدخرون من علوم وفنون.

د المرض ورقّة العواطف عند ناظم البديعية المريض واجتماع ذلك مع الأسباب السابقة:

لقد اقتصر هذا السبب على صفيّ الدين الحليّ صاحب أوّل بديعيّة، وقد سبق الكلام على مرضه الذي طالت مدّته وامتدّت شدّته. وممّا لا ريب فيه أن المريض ذو روح شفافة رقيقة، يبحث عن دواعي شفائه أينما كانت، علّة يجد بصيص أمل بشفائه، فيتعلّق بحبال الهواء، تعلّق الغريق بعود قشّ وجده على سطح الماء، ولا سيّما إذا كان المرض عضالا، والمريض مؤمنا لا يقنط من رحمة ربّه، وهو يعلم حادثة جرت لمريض قبله، لجأ إلى الله متوسّلا بنبيّه، فوجد خيرا فالدوافع التي تعتلج في نفسه لا تقلّ عن تلك التي اختلجت في نفس البوصيريّ، وما كان لها من انعكاسات نفسيّة تجعله أقرب لأن يمتثل للشفاء، كما تجعل النفس أرقّ وأخشع على أعتاب خالقها. فهذا النفح الإيمانيّ وتلك الروح الشفافة الرقيقة، وحسّ الشاعر المرهف، بالإضافة إلى الشاعرية القويّة، والرغبة في المدح والتأليف، والمدّخر العلميّ الكبير تفاعلت فيما بينها مجتمعة في نفس الشاعر وساعدت على إبراز أوّل بديعيّة إلى حيّز الوجود.

هـ السعي إلى الشهرة، والرغبة في المعارضة، وحبّ الظهور والتكثّر:

ما إن ضربت بردة البوصيري في الآفاق حتى اجتمع حولها الشعراء وراحوا يقلّدونها ويعارضونها ويشطّرونها ويربّعونها ويخمّسونها ساعين من وراء ذلك إلى مجاراتها شهرة وقيمة ودورانا على الألسنة. وكان من هؤلاء الشعراء الشاعر المؤلّف الأديب صفيّ الدين الحلّيّ، إذ نظم قصيدة على غرار بردة البوصيريّ، مقتفيا خطاها في بحرها ورويّها وموضوعها، لم لا والعلّة واحدة، وقد أضاف إلى ذلك تضمين كل بيت من أبياتها نوعا من أنواع البديع، يكون البيت شاهدا له، فدخل بذلك إلى

الشهرة من بابها الواسع على صعيدي النظم والتأليف. ثمّ دأب معظم أصحاب البديعيات بعده دأبه فاقتفوا أثره في السعي وراء الشهرة والمعارضة، وحبّ الظهور والتكثّر. فهذا عزّ الدين الموصليّ، عندما رأى ما بلغته بديعيّة الصفيّ من الشهرة، عزم على معارضته بقصيدة مثلها، وأضاف إليها التورية في البيت باسم النوع البديعيّ إلى جانب كونه شاهدا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت