ما إن ضربت بردة البوصيري في الآفاق حتى اجتمع حولها الشعراء وراحوا يقلّدونها ويعارضونها ويشطّرونها ويربّعونها ويخمّسونها ساعين من وراء ذلك إلى مجاراتها شهرة وقيمة ودورانا على الألسنة. وكان من هؤلاء الشعراء الشاعر المؤلّف الأديب صفيّ الدين الحلّيّ، إذ نظم قصيدة على غرار بردة البوصيريّ، مقتفيا خطاها في بحرها ورويّها وموضوعها، لم لا والعلّة واحدة، وقد أضاف إلى ذلك تضمين كل بيت من أبياتها نوعا من أنواع البديع، يكون البيت شاهدا له، فدخل بذلك إلى
الشهرة من بابها الواسع على صعيدي النظم والتأليف. ثمّ دأب معظم أصحاب البديعيات بعده دأبه فاقتفوا أثره في السعي وراء الشهرة والمعارضة، وحبّ الظهور والتكثّر. فهذا عزّ الدين الموصليّ، عندما رأى ما بلغته بديعيّة الصفيّ من الشهرة، عزم على معارضته بقصيدة مثلها، وأضاف إليها التورية في البيت باسم النوع البديعيّ إلى جانب كونه شاهدا له.
وعندما وجد شعبان الآثاري شهرة تلك القصائد، لم يكتف بنظم بديعية واحدة، بل عمد إلى نظم ثلاث بديعيات: (الصغرى والوسطى والكبرى) بلغ مجموع أبياتها نحو ثمانيمئة وسبعين بيتا، وإنّما فعل ذلك ليدلّ على مقدرته على الزيادة والتكثّر، رغم ما في بديعيّاته من تكرار للألفاظ والتراكيب والمعاني.
أمّا ابن حجّة الحمويّ فقد صرّح في مقدّمة شرحه بمعارضة صفيّ الدين الحليّ وعزّ الدين الموصليّ معا، والبردة، فقد أراد أن يجمع مزايا القصائد الثلاث ليتفوّق عليها، فها هو يقول: «فهذه البديعية التي نسجتها على منوال طرح البردة، كان
محمد بن البارزي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة هو الذي ثقّف لي هذه الصعدة وحلب لي ضرعها الحافل وما ذاك إلّا أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصليّ التزم فيها بتسمية النوع البديعيّ، وورّى بها من جنس الغزل، ليتميّز بذلك على الشيخ صفيّ الدين الحليّ لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل، غير أنّ الشيخ عزّ الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن الله أن ترفع وربّما رضي في الغالب بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمّى فاستخار الله مولانا الناصريّ، ورسم لي بنظم قصيدة أطرز حلّتها ببديع هذا الالتزام، وأجاري الحليّ برقّة السحر الحلال وقد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال، وجاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع، وهو من ذلك محلول العقال، وسمّيتها «تقديم أبي بكر» » [1] .
وهذا عبد الغني النابلسيّ أيضا، لاحظ شهوة الشهرة عند ابن حجّة وحبّه للظهور والتفوّق، فحاول أن ينال منه معقّبا على ذلك بقوله في مقدّمة «نفحات الأزهار على
(1) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 305.