يعرف ولا يعلم غرضه فيها إلّا بعد الكدّ والفكر وطول التأمّل [1] . ثمّ وقف القاضي علي بن عبد العزيز الجرجانيّ [2] وعبد القاهر الجرجانيّ [3] موقفا سلبيّا من إفراط أبي تمام في بديعه، وتبعهما ابن رشيق في ذلك [4] . ويرى التّنسيّ أن الجناس، وإن اعتبره أشرف أنواع البديع، كثيرا ما يصاحبه التكلّف، ولذلك تجنّبه الفحول من متقدّمي الشعراء [5] . ويتّفق في هذا الذوق الأدبيّ بعض المغاربة والمشارقة على السواء، فهم يحذّرون من الإفراط في البديع، إلّا أنّ ابن أبي الأصبع المصريّ يرى أنّ كثرة البديع لا تشين الكلام إذا استعمل قلّة أو كثرة، فقد أورد في كتابه «بديع القرآن» آية عدد ألفاظها سبع عشرة، واستخرج منها واحدا وعشرين ضربا من البديع، وهي قوله تعالى: {وَقِيلَ يََا أَرْضُ ابْلَعِي مََاءَكِ وَيََا سَمََاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمََاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظََّالِمِينَ} (44) [6] ، ويعقب على ذلك بأنّ في كل لفظة بديعا وبديعين [7] ، معتبرا أن البديع يشمل علوم البلاغة كلّها من معان وبديع وبيان.
وليس ابن أبي الأصبع هو وحده الذي استخرج هذه الكثرة من ضروب البديع دليلا على أن الكثرة أو القلّة ليست سببا في الحسن أو القبح، وإنما التكلّف هو الذي يهوي بمنزلة البديع العالية، فهذا النويريّ يرى أنّ الإبداع هو «أن يؤتى في البيت الواحد من الشعر أو القرينة الواحدة من النثر بعدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله، وربّما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع، ومتى لم تكن كل كلمة بهذه المثابة، فليس بإبداع» [8] .
وهذا الباقلانيّ في مقارنته بين البحتري وأبي تمام يرى أن الأوّل قد أحسن في إفراطه، والثاني كان إفراطه قبيحا [9] .
إذا، فالتكلّف أو الكثرة المتكلّفة التي يلجأ إليها صاحبها ليظهر مدى قدرته على رصف المحسّنات دون فائدة، هي التي تفسد البديع، كما تفسد البيان والمعاني
(1) الموازنة 1/ 135ونظم الدرّ والعقيان ص 56.
(2) الوساطة ص 19.
(3) أسرار البلاغة ص 11.
(4) العمدة 1/ 228227.
(5) نظم الدر والعقيان ص 56، 195.
(6) هود: 44.
(7) بديع القرآن ص 342340.
(8) نهاية الأرب 7/ 175.
(9) إعجاز القرآن ص 162.