فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 1046

الحلّيّ والموصليّ. ومن ينظر في شرح ابن حجّة منذ المطلع يجد ابن حجة لم يترك هنة من هنوات الصفيّ والموصليّ إلّا شهّر به وأعلنه وتجاوزه إلى ما هو أحسن، مزهوّا بمقدرته وإجادته وتفوّقه في كلّ كلمة من كلمات بديعيّته، وحتّى في شعره ونثره الذي لا يمتّ إلى «البديعيّات» بصلة. وإنك لتجد ذلك في كل باب من أبواب شرح بديعيته.

هذا المنهج الذي اعتمده ابن حجّة في تتبّعه من سبقه مع الزهو الذي تميّز به لم يرق لكثير من المؤلّفين والنقّاد، فوقفوا له بالمرصاد، وسلّوا سيوف النقد عليه وعلى إنتاجه، يغربلونه وينخلونه باحثين فيه عن كل هنة، ومن هؤلاء الشيخ عبد الغني النابلسيّ، وهو من أكثر الناس اعتراضا وأشدّهم غضبا على ابن حجّة، إذ لم يقدر أن يخفي ازدراءه وانتقاده في «نفحاته» لابن حجّة، إذ قال: «ثمّ شرح قصيدته شرحا أخذ فيه بأذيال الإطالة، وألبسه حلل السآمة والملالة، وتشدّق في عباراته، وأفحش في إشاراته، مع ما في أبيات قصيدته من الركّة والقلاقة، واختلاس كلمات غيره بحسب ما عنده من الفاقة» [1] . وبدأ النابلسيّ بعد ذلك يتتبّع ابن حجّة لا في بديعيته وحسب، بل في انتقادات ابن حجّة لغيره ولسابقيه من ناظمي «البديعيات» ، ينقّب عن سرقاته، ويتقصّى هنواته وعثراته ومجانبته للصّواب، فوجد عدم تعرّض ابن حجّة لمطلع الموصليّ، يعود إلى أنّه قد سرقه منه، وهذا ما دفعه منذ البداية إلى أن ينال منه، فقال: «وقد دخل هذا البيت فكر ابن حجة فسرق من مصراع الباب» [2] . ولم يكتف النابلسيّ بتتبّع ابن حجة، بل تعدّاه إلى كلّ من ذكر له بديعية في شرحه، فتتبّع بديعياتهم وعلّق عليها وانتقدها، مظهرا محاسنها أحيانا ومساوئها أحيانا أخرى.

ولم يكن ابن معصوم المدنيّ بأقلّ من عبد الغني النابلسيّ تطلّعا إلى التقدم والسبق والتفوّق، فإذا كانت بديعية ابن حجة عند الأغلبية من أجود «البديعيات» فإن ابن معصوم نظم بديعيّته «التي فاقت بديعيّة ابن حجّة فلو أدركها لما قامت له معها على تزكية نفسه حجة» [3] ، ففي أثناء نظمه وشرحه لبديعيته تظهر فكرة المقارنة بين

(1) نفحات الأزهار ص 3.

(2) نفحات الأزهار ص 12.

(3) أنوار الربيع في أنواع البديع 1/ 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت