فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 1046

التأليفيّ في التراث العربي الإسلاميّ عامة، ولا سيّما في عصر نشوء «البديعيّات» وازدهارها. فكثيرا ما نصادف، في أيّ كتاب من التراث العربي الإسلامي وخاصة في شروح البديعيات، موقفا للكاتب أو الشارح، يتعرّض من خلاله لمؤلف عاصره، أو سبقه، فيتعقّبه في قضيّة ما، ويتتبّع أخطاءه فيها، فيردّ رأيه، أو يخطّئه فيه، أو يحدّ منه، أو يوافقه ويزيد عليه وكثيرا ما نجد ذلك عند من كان على شيء من الزهو والاعتداد بالنفس والحدّة في الموقف، أمثال ابن حجّة الحمويّ، وابن معصوم المدنيّ، والشيخ عبد الغني النابلسيّ.

فابن حجّة الحموي قد صرّح منذ البداية في خطبة شرحه لبديعيته أنه إنّما نظم بديعيّته وأمامه بديعية الصفيّ وبديعية الموصليّ وبديعية ابن جابر، وهو ينظر إليها نظرة الناقد المتفحّص، الباحث عن خبايا جمالها ومواطن ضعفها، ليستطيع بذلك أن يتدارك نقصا سبق، وأن يبزّ غيره بجمال وفضل إجادة، فينطلق يسابق هؤلاء مخلّفا وراءه كلّ من سبقوه إلى هذا الفنّ، وقد أعانه على ذلك صديقه الأديب المعروف محمد بن البارزيّ الذي حثّه على نظم بديعيّته. ومن هنا جاء تتّبعه لهؤلاء الشعراء في بديعيّاتهم ومقارنة عمله بأعمالهم مستعينا بمشورة صديقه إذ قال: «فاستخار الله مولانا الناصري ورسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام، وأجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال، الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه ويقول: بيت الصفيّ أصفى موردا، وأنور اقتباسا، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر، وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره، وقد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال، وجاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع، وهو من ذلك محلول العقال» [1] .

وما يلاحظ من هذا القول أنّ هناك عملين اثنين كانا يرافقان نظم كلّ بيت من أبيات البديعية، أوّلهما: تتبّع ابن حجّة لمن سبقه وإعمال نفسه في التفوّق عليه وثانيهما: الموقف النقديّ المتمثّل في عمل ابن حجّة أوّلا، وفي حكم المعروض عليه (ابن البارزي) ثانيا، إذ كان يشير عليه بالقبول أو بالإعادة بعد مقارنته بأبيات

(1) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت