نقديّة تمثّلت في الأمور التالية:
1 -الملامح النقديّة في البناء العامّ للشروح:
من خلال ما سبق من الكلام على مضمون الشروح، يبدو أن هذه الشروح كانت تعتمد على الفنون البديعية بادئ الأمر لتنطلق منها إلى جمع أجمل وأطرف شواهد الشعر والنثر، وأكثرها دورانا على الألسنة ومناسبة للاستشهاد بها، مع التعريج أحيانا على المستقبح المرذول من الشواهد. وكانت عملية جمع هذه الشواهد وانتقائها من رياض الشعر والنثر خاضعة لعملية نقديّة هامّة، فالشواهد كثيرة والشارح أمامها مختار بارع، يختار منها ما يروق له ويجد فيه بغيته مما يناسب كلامه، سواء من حيث جودة الشاهد وجماله وإصابة صاحبه، أو من حيث رداءته وسماجته وكبوة صاحبه به، ثم لا يكتفي بعرض ذلك على القارئ بل يقرنه بعبارات متنوّعة تدلّ على قيمة هذا الشاهد، إذ كثيرا ما يتردّد على ألسنة هؤلاء الشرّاح مثل هذه العبارات: «ومن محاسن هذا الفنّ» ، و «وهذا أحسن ما سمعت» ، و «ومن براعاته» ، و «وممّا يستقبح» ، و «وممّا يؤخذ عليه» إلى غير ذلك من هذه العبارات الحكمية النقديّة. ومثل هذه العبارات كثير في شرح بديعية ابن حجّة الحمويّ وفي غيرها من الشروح [1] ، التي يلاحظ فيها أنّ هؤلاء الشرّاح كانوا يخرجون بين الحين والآخر عن طريقة التذوّق المحضة والحكم بالجمال والحسن أو القبح والردّ دون توضيح سبب ذلك، إلى تعليل هذا الحكم وإظهار دوافعه وتبيان مواطن الجودة والضعف فيه، وفي ذلك ما يدلّ على لمحات نقديّة قد ترتقي أحيانا لتصل إلى مرتبة النقد المنهجيّ الموضوعي، وقد تنحطّ أحيانا أخرى لتعود إلى البدايات الأولى للنقد المتمثّلة في عبارات «ما أحسن» و «ما أقبح» و «ما أجمل» دون أي تعليل. لذا كانت كلّ هذه اللمحات النقديّة تزيّن شروح «البديعيات» ولا سيّما المتّسع منها، لتغنيها وتلوّنها، ولنقف من خلالها على فنّ من فنون التأليف الأدبيّ في ذاك العصر حيث امتزجت فيه فنون الأدب: شعرا ونثرا ونقدا.
2 -الملامح النقديّة في عمل الشرّاح:
ظهرت في شروح البديعيات ظاهرة «التتبّع» ، وهي ظاهرة ليست غريبة عن الفكر
(1) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 234233.