المآخذ التي أخذت عليهما متّبعا في شرحه المنهج العلميّ الذي يعتمد على أداء الحقائق والدقّة في البحث والاستقصاء والإفادة، والمنهج الأدبي الذي جلّ غايته التأثير والتذوّق، فكان يعمد إلى نظم البيت البديعيّ أوّلا ثم إلى ذكر النوع البديعيّ الذي ضمّنه، فيعرّفه، ويناقش تعاريف السابقين له، ويغيّر اسمه إن لم يرق له أو يلغيه، أو يفرّع نوعا منه، أو يضمّه إلى فرع آخر، أو يضع لذلك الفرع اسما يحدّده، أو يفرّق بين أنواع تشابهت، ويعمل على إثبات ذلك بأسلوب أدبيّ يثير الانفعالات وينشّط الأذهان، وذلك بعرض الحقائق كما أدركها، فكان أسلوبه جامعا بين الإفادة والتأثير بالعبارة العلميّة الأدبيّة التي توقفنا على مواطن الجمال في النصّ أو حقائق علميّة فيه.
وقد اتّجه ابن حجّة في منهجه اتجاهين: اتّجاها علميّا منطقيا كلاميّا، وآخر أدبيّا وجدانيّا فأخذ من الاتجاه العلميّ تحديد الأنواع البلاغيّة والبديعية وتعريفاتها من غير مبالغة، وفرض الأسئلة العقلية واستنتاج النتائج المنطقية، كما أخذ من الاتجاه الأدبيّ والوجدانيّ الإكثار من الشواهد القرآنيّة وشواهد الحديث الشريف، والشواهد الشعريّة والنثريّة، ونقدها وتحليلها تحليلا تطبيقيّا يهذّب الذّوق وينمّي العاطفة، ويرهف الحسّ وكانت هذه الشواهد تتبع في «شرحه» التعريف بالنوع البديعيّ مباشرة.
ولعلّ أهم ما يميّز منهجه في شرح بديعيّته هو الإكثار من الشواهد من مختلف العصور الأدبية، فهو بعد أن يشرح النوع البديعيّ ويتناول شواهد عليه من القرآن الكريم والحديث الشريف، والشعر القديم وشعر المولّدين، يقف وقفة طويلة عند شعر المتأخّرين من معاصريه، ويحشد لهم ولنفسه نماذج كثيرة من الشعر والنثر، بل يتجاوز ذلك ليستشهد بالزجل والدوبيت والمواليا إلّا أنه كان في استشهاده ببعض أدب معاصريه يميل إلى التزلّف والتملّق لبعض الشخصيات البارزة في زمانه، كما فعل في استشهاده ببعض المواليا التي نظمها زين الدين بن العجميّ [1] . وقد أدّت كثرة الشواهد في «شرحه» إلى أن يظهر ضخما، فقد كان ابن حجّة، على سبيل المثال، يستشهد بالبيت أو البيتين على ظاهرة أو نوع بديعيّ، ثم يتبع ذلك بقوله:
«وأعجبني من هذه القصيدة قوله كذا» ، فيورد عدة أبيات، وتذكّره هذه الأبيات
(1) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 436.