وبعد فترة بسيطة جدّا انطلق علم البديع من قيوده النثرية إلى منظومات شعريّة، عرفت ب «البديعيات» [1] كانت قد مهّد لها علي بن عثمان الإربليّ في القرن السابع الهجري، وقد اشتهر من أصحابها صفي الدّين الحليّ، وابن جابر الأندلسيّ، وعز الدين الموصليّ في القرن الثامن الهجريّ، ثمّ ابن حجّة الحمويّ في القرنين الثامن والتاسع.
هذا، وقد ألّفت منذ أواسط القرن الثالث الهجريّ حتى القرن التاسع عشرات المؤلّفات في البديع، فتحدّثت عن أنواعه وأجناسه وفنونه وألوانه، وتفاوتت إيجازا وتفصيلا، وعندما أتيح لابن حجة أن يصنّف «شرحه على بديعيته» كان قد اطلّع على كثير من هذه المؤلّفات التي تناولت أنواع البديع.
وقد نشطت حركة التأليف في البلاغة وعلومها في عصر ابن حجّة، فوضعت كتب كثيرة في علوم المعاني والبيان والبديع، وبالرغم من أنّها لم تكن أكثر من شروح وتعليقات أو مختصرات للكتب التي ألّفت في القرون السابقة، إلّا أنّها كانت تعنى بالبديع عناية أكبر من تلك التي أولته إيّاها الكتب والمصنّفات المتقدّمة، حتى أفردت لفنّ البديع مؤلّفات خاصة، مثل «المطلب المنيع في أنواع البديع» لأبي البقاء الأحمديّ الشافعيّ. ثمّ امتدّت تلك العناية المفرطة بالتأليف في فنّ البديع إلى أبعد من ذلك، فقد شرع علماء البلاغة يؤلّفون الكتب، ليس في فنّ البديع المشتمل على عشرات الأنواع البديعية وحسب، بل ضيّقوا دائرة التأليف، فألّفوا كتبا في جزئيات علم البديع، أو في بعض أنواعه، فقصر بعض العلماء تأليفهم مثلا على نوع «التضمين» ، كما فعل عبد الله بن سلامة الادكاويّ في كتابه «الدرّ الثمين في محاسن التضمين» ، وألّف النواجيّ تلميذ ابن حجّة كتابا في بديع الاكتفاء سمّاه «الشفاء في بديع الاكتفاء» ، وكان للجناس والتورية حصّة الأسد من مجهود المؤلّفين وتأليفهم البديعيّ، إذ تبارى علماء البديع في تأليفهم في هذين النوعين، فألّف أنصار الجناس كتبا فيه منها: «جنان الجناس» للصّفديّ، و «فكاهة الجليس في أنواع التجنيس» للقاياتيّ، و «إزالة الالتباس للتفريق بين الاشتقاق والجناس» لبدر الدين الحمدانيّ، كما ألّف أنصار التورية كتبا فيهما منها: «كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام»
(1) وسيأتي الكلام على أهم هذه البديعيات بالتفصيل في الفصل الخامس وما يليه من هذه الدراسة.