فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 1046

ولم يكن صنيع ابن حجّة في شرحه لبديعيته إلّا اقتداء برائده الأوّل صفيّ الدين الحلّيّ الذي نظم بديعيته ثمّ شرحها وعقّب على أبياتها دالّا على النوع ومواطن الاستشهاد. ولو نظرت في شرح بديعيّته لوجدت فيها الكثير من بضاعته وعلمه وأدبه الشعريّ والنثريّ، وتفاخره فيما كان يحمل من إحاطة بفنون الشعر والأدب، والإدلال بمقدرته على الخوض في عباب هذا التيّار الزاخر الذي يتطلّب الكثير، فالبديع وأنواعه في قصيدته، بل البديعية ذاتها، لم تكن سوى مطيّة يتوسّل بها أغراضا أخرى، ولهذا تجاوز شرحه الحجم المعروف عند الشروح السابقة له عند الصفيّ والموصليّ. ويكفي

أن تنظر في باب «التورية» وباب «التوجيه» لترى معظم الشواهد المكرّرة بين البابين، بالإضافة إلى اقتناص الكثير من شواهد التورية حتى بلغت حجم كتاب ضخم، جمعه فيما بعد تحت عنوان «كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام» .

وبهذا ظهر ابن حجة في شرح بديعيته مدفوعا بدافعين اثنين كغيره من ناظمي البديعيات: أحدهما الجري على عادة الأغلبية وسنّة الشعراء لتوضيح الأنواع المقصودة، ويترتب على هذا أن يكون الشرح ضامرا مختصرا، وهذا ما فعله في «ثبوت الحجّة على الموصليّ والحلّيّ لابن حجة» [1] وثانيهما: مجاراة المشهورين في عرض ما يحملونه من بضاعة الأدب وفنونه، بل قد فاقهم في ذلك، وهذا ظاهر في «خزانته» .

ولم يتفرّد ابن حجّة بشرح بديعيته، بل لقد لقيت بديعيّته وشرحه لها عناية كبيرة من العلماء والأدباء والبلاغيين بعده، وما حظيت به من عناية لم تكن بديعية أخرى لتحظى به، وشاهد ذلك أنها رغم شرح ناظمها لها شرحا وافيا، فإن أحد أدباء العصر واسمه عثمان الظاهر قد شرحها مرّة ثانية، كما شرحها محمد بن أحمد بن عثمان البسطاميّ المتوفّى سنة (842هـ.) [2] وشرحها أيضا محمد بن عيسى بن محمود بن كنان المتوفّى سنة (1153هـ.) ، وأطلق على شرحه اسم «المحاسن المرضيّة في شرح المنظومة البديعية» ، وذلك بعد أن نظر في شرح ابن حجة فوجده «لم يتكلم في أكثر أحواله إلّا في النوع وترك شرح باقيها» ، ورأى عمله غير مكتمل، فعبّر عن غايته قائلا: «فأحببت أن أنشئ لها شرحا حسنا يحيط بها إحاطة الدائرة بفلك معدّل النهار، ويمتزج بها كما امتزج بياض الورد بالاحمرار» [3] .

ولم تقتصر العناية ببديعية ابن حجّة على الشرح فقط، بل لقد لاقت البديعية وشرحها اهتمام الكثيرين من المشتغلين بالبلاغة فعارضوها ونهجوا نهجها في بديعياتهم وشروحهم، ففي أوائل القرن العاشر نظم الإمام جلال الدين السيوطيّ بديعية عارض بها بديعية ابن حجّة وشرحها وسمّاها «نظم البديع في مدح خير شفيع» ، وبعده توالى المشتغلون بالبلاغة قرنا فقرنا، وكانوا يعتمدون في نظم

(1) سيأتي الكلام عليه بعد قليل.

(2) انظر هدية العارفين 6/ 193192، 325.

(3) البديعيات في الأدب العربي ص 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت