أمّا الكتابان الأوّل والرابع منها فلعلّهما قد تطرّقا إلى نقد بديعية ابن حجّة، لما عرف عن النواجيّ، صاحب الكتاب الأوّل، من أخذه عن ابن حجّة، ثمّ انقلب عليه وتركه، فشنّ عليه غارة شعواء، وكان لبديعية ابن حجّة أثر فيهما. وأمّا الكتاب الثاني «الحجّة على من زاد على ابن حجة في علم البديع» فإنّ مؤلّفه يتحدّث فيه عن غايته من تأليفه، إذ يقول: «وكنت قد طالعت فيما تدون فيه [أي البديع] بديعية الأديب النبيه تقيّ الدين بن حجّة الحمويّ، رحمه الله تعالى، فإنّه وإن أكثر الشواهد فيها والتعريفات إلّا أنّه، كما قيل، كم ترك الأوّل للآخر، فإنّه متقدّم على من جاء بعده من الأدباء، وقد جاءت بعده عصبة كالجلال السيوطيّ العالم الفاضل ومن تبعه من بعده، واخترعوا فيه أنواعا، ثمّ جاء الحميديّ فخرج عن الجادة المقبولة لقبوله الأنواع البخسة إلى زمان شيخنا محمد أمين الدين العمريّ بن خير الله الخطيب، والشيخ محمد الغلاميّ، رحمهما الله تعالى برحمته فلم تزل تتزايد هذه الأنواع من أوّل الأمر إلى أن خبط فيها خبط عشواء فعنّ لي أن أستخلص منها ما زاد على بديعية التقيّ من الصحيح المقبول ونترك الضعيف المعلول، وبحسب عقلي القاصر
ألحقهم ببديعيّة ابن حجّة، علما بأنه لو رآهم من كان له ذوق من جهة الأدب لاستحسن ذلك منّي وأخذه عنّي» [1] . فقد حدّد الجليليّ في ذلك غايته ودوافعها التي تمثّلت في البحث عن الجديد من أنواع البديع التي زادت بعد بديعية ابن حجّة، ومحاولة غربلتها لتمييز الجيّد من السيّئ، ومن ثمّ البحث عنها في بديعية ابن حجّة، أو إلحاقها بها، ثم قال: «فالنوع الذي رأينا له شاهدا من أبياتهم حرّرناه، والذي لم نر له شاهدا نظمنا له بيتا مستقلّا» [2] .
ثم يستعرض الجليليّ مجموعة من الأنواع التي زيدت بعد ابن حجّة، ولا سيّما في بديعيات السيوطيّ والحميديّ والعمريّ والآثاريّ، أو من مخترعات عصره، ومخترعاته هو أحيانا.
وتعتمد طريقة الجليليّ في عمله هذا على نقد الأنواع المزادة أحيانا كما تعتمد على البحث والكشف والتوضيح والتعريف أحيانا أخرى [3] .
ولعلّ عثمان الجليليّ أراد أن تكون طريقته النقديّة هذه دفاعا عن بديعيّة ابن حجّة الحمويّ، وتقديما له حتّى على المتأخرين، معتمدا في نقدها على سواها من البديعيّات ليعود بنقده إليها.
وهناك كتاب آخر يبدو أنّه ألّف في الردّ على كتاب الجليليّ، وهو «إقامة الحجّة على التقيّ بن حجّة» لأبي بكر بن عبد الرحمن العلويّ، الذي تجاوز بكتابه هذا النقد المتمثّل في قبول العمل أو ردّه دون تحليل أو دراسة لذلك العمل وإعطاء مسوّغات الحكم، وبذلك تجاوز مرحلة النقد الذوقيّ التي رأيناها في موقف الخاصّة والعامّة من هذه البديعية وغيرها.
ولقد عمد أبو بكر بن عبد الرحمن العلويّ إلى بديعية ابن حجّة وبدأ يحلّلها وينقدها معتمدا على نهج علميّ وضعه لنفسه لإظهار ما في هذه البديعية من خلل وضعف وسرقة، دون أن ينسى كل ما جاء به ابن حجة من حسن فيها، أو يبخسه حقّه، إذ طالما أكبر بديعيّته وعدّها من مناقبه، وممّا لم يستطع أحد مجاراته بها.
ثمّ قارن عمله بعمل ابن حجّة في شرحه فقال: «ولم أصنع، والحمد لله، صنيعه
(1) الحجة على من زاد على ابن حجة ص 14.
(2) الحجة على من زاد على ابن حجة ص 15.
(3) انظر الحجة على من زاد على ابن حجة ص 2724، 67.