دورانا على الألسن ومناسبة للاستشهاد به، رغم التعريج أحيانا على المستقبح المرذول من الشواهد، إلّا أنّ جمع هذه الشواهد المتنوّعة وانتقاءها من رياض الشعر والنثر خضع لعملية نقديّة هامّة وبارزة، فالشواهد كثيرة وابن حجّة الشارح أمامها «صياد بارع تمرّ الشواهد أمامه، أو يستعرضها، ثمّ يقتنص منها ما يروق له ويجد فيه بغيته مما يناسب حديثه، سواء من حيث جودة الشاهد وجماله وإصابة صاحبه، أو من حيث رداءته وكبوة صاحبه به، ثمّ لا يكتفي الشارح [ابن حجة] بعرض صيده هذا، بل يقرنه بعبارات مختلفة تدلّ على قيمة هذا الشاهد» [1] ، فكثيرا ما تجده يقول: «ومن محاسن هذا الفنّ» ، و «وهذا أحسن ما سمعت» ، و «ومن براعاته» ،
و «وممّا يستقبح» ، و «وممّا يؤخذ عليه» ، إلى غير ذلك من هذه العبارات الحكمية النقديّة. ومثل هذه العبارات كثير في شرح بديعيّته، وما يلاحظ فيها أنّ ابن حجّة كان يخرج بين الحين والآخر عن طريقة التذوّق المحضة والحكم بالجمال والحسن، أو القبح والردّ دون توضيح سبب ذلك، إلى تعليل هذا الحكم وإظهار دوافعه وتبيان مواطن الجودة والضعف فيه، وفي ذلك ما يدلّ على لمحات نقديّة قد ترتقي أحيانا لتصل إلى مرتبة النقد المنهجيّ الموضوعيّ، وقد تنحطّ أحيانا أخرى لتعود إلى البدايات الأولى للنقد المتمثّلة في عبارات «ما أحسن» و «ما أقبح»
و «ما أجمل» ، دون أيّ تعليل، ولعلّ ذلك كلّه يعود إلى حبّه لهذا الشاعر أو غضبه على ذاك، وهذا ما يؤخذ عليه في نقده.
لذا كانت كل هذه اللمحات النقديّة تزيّن شرح البديعيّة، لتغنيها وتلوّنها، ولنقف من خلالها على فنّ من فنون التأليف الأدبيّ في ذاك العصر إذ امتزجت فيه فنون الأدب: شعرا ونثرا ونقدا.
ب الملامح النقديّة في عمل ابن حجّة، وما دار حوله:
إنّ في شرح البديعيّة ظاهرة ليست بغريبة عن الفكر التأليفيّ في التراث العربيّ الإسلاميّ عامّة، وعصر نشوء البديعيات وازدهارها خاصّة. فكثيرا ما يصادفنا في قراءة هذا الشرح موقف ابن حجّة من مؤلّفي عصره، ومن سبقه، فيتعقّبهم في قضيّة ما، يخطّئهم فيها، أو يردّ عليهم، أو يحدّ من آرائهم، أو يوافقهم ويزيد عليهم، ولا
(1) البديعيات في الأدب العربي ص 233.