فهرس الكتاب
أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب، أو بعدمه فيمتنع لامتناع انقلاب علمه سبحانه جهلا، وامتناع تخلف مراده عن إرادته أصلا، وحينئذ لا اختيار مع الوجوب والامتناع قطعا؟
فالجواب: أنه سبحانه يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره فلا إشكال في هذا المقال، وتحقيقه أن صرف العبد قدرته أو إرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خلق، فالله تعالى خالق والعبد كاسب؛ ومن أضل ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والطاعة من الفاجر، والكافر شاء الكفر، والفاجر شاء الفجور، فغلبت مشيئتهما مشيئة الله سبحانه.
فإن قيل: يشكل على هذا قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] ؛ وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 35] ، وقوله تعالى: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] ، أي يكذبون أو يظنون ويتوهمون، فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا منهم لمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله تعالى إذ قال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحجر: 39] .
والجواب: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته وقالوا: لو كره ذلك وسخط لما شاء، فجعلوا مشيئة الله دليل