ولا كمية ولا يكون يبينه وبين خلقه مسافة.
في الصورة (ولا كمية) ، أي في الهيئة المنظورة.
(ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة) ، أي لا في غاية من القرب ولا في نهاية من البعد، ولا يوصف بالاتصال ولا بنعت من الانفصال ولا بالحلول والاتحاد كما يقوله الوجودية المائلون إلى الاتحاد، فذات رؤيته ثابت بالكتاب والسنة إلا أنها متشابهة من حيث الجهة والكمال والكيفية، فنثبت ما أثبته النقل وننفي عنه ما نزهه العقل، كما أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ، أي لا تحيط الأبصار به في مقام الإبصار، فإن الإدراك أخص من الرؤية، والتشابه فيما يرجع إلى الوصف الذي يمنعه العقل لا يقدح في العلم بالأصل المطابق للنقل.
وقال الإمام الأعظم رحمه الله ي كتابه (( الوصية ) ): ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق. انتهى. والمعنى أنه يحصل النظر بأن ينكشف انكشافا تاما بالبصر منزها عن المقابلة والجهة والهيئة، فهي أمر زائد على صفة العلم، فإنا إذا نظرنا إلى البدر مثلا بعين البصر ثم غمضنا العين عن النظر فلا خفاء في أنه وإن كان منكشفا لدينا في الحالين لكن انكشافه حال النظر إليه أتم وأكمل، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس الخبر كالمعاينة ) )، وقول إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ، فإن عين اليقين رتبة فوق علم اليقين، ومن هنا قال موسى عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] .