ولا يخفى أنه لا مرية في أن مقام الإسراء أعلى وأغلى من ميقات موسى، فضلا عن مقام يونس بن متى عليه الصلاة والسلام، وإنما الكلام على أن قربه سبحانه يستوي بكل منهم في كل حال ومقام كما يدل عليه قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] ، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] . وأما علوه على خلقه المستفاد من نحو قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] ، فعلو مكانة ومرتبة لا علو مكان كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة، بل وسائر طوائف الإسلام من المعتزلة والخوارج وسائر أهل البدعة، إلا طائفة من المجسمة وجهلة من الحنابلة القائلين بالجهة، تعالى الله عنه ذلك علوا كبيرا.
وقد أغرب شارح حيث قال في قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193، 194] في ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى. انتهى. وغرابته لا تخفى، إذ النزول والتنزيل تعديتهما بعلى، والمراد بنزوله ها هنا من جهة السماء؛ على أن الكلام في علو الكلام على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزاع في هذا المقام، ولا يلزم من ذلك علو المكان للملك العلام.
وأما قوله: وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا بعد ما ذكر