وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق، وسمات الحدوث من التأليف والتنظيم والنزول والتنزيل وكونه عربيا مسموعا فصيحا معجزا إلى غير ذلك، فإنما يقوم حجة على الحنابلة لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم أيضا وإنما الكلام في معنى القديم؛ والمعتزلة لما لم يمكنهم إنكار كونه متكلما ذهبوا إلى أنه متكلم بمعنى موجد الأصوات والحروف في محالها وأشكال الكتابة في اللوح المحفوظ وإن لم يقرأ على اختلاف بينهم؛ وأنت خبير بأن المتحرك من قامت به الحركة لا من أوجدها. وأما إذا كان في الآية قراءتان، فإن كان لكل قراءة معنى غير الأخرى، فالله تعالى تكلم بهما جميعا وصارت القراءتان بمنزلة الآتين، وإن كانت القراءتان معناهما واحد، فالله تعالى تكلم بأحدهما ورخص بأن يقرأ بهما جميعا كما ذكره الفقيه أبو الليث.
فاعلم أن الصحابة والتابعين وغيرهم من المجتهدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قد أجمعوا على أن كل صفة من صفات الله تعالى لا هو ولا غيره، كذا ذكره الشارح؛ والمعنى أنها لا هو بحسب المفهوم الذهني، ولا غيره بحسب الوجود الخارجي، فإن مفهوم الصفات غير مفهوم الذات إلا أنها لا تغايرها باعتبار ظهورها في الكائنات.
والحاصل أن كلامه من صفاته وهو قديم بذاته وصفاته والقديمية مستلزمة للبقائية، لأن ما ثبت قدمه يستحيل عدمه، كما هو مستفاد من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3] ، أي بلا ابتداء ولا انتهاء.
وأما (القديم) فليس من الأسماء الحسنى وإن أطلقه عليه علماء