قوله تعالى: {وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}
يعني: اختلفوا في الديانة. ولاختلافهم وجوهٌ:
أحدها: أن اليهود اختلفوا مِن بعد موسى، فصاروا فِرَقًا، والنصارى اختلفوا من بعد عيسى، فصارت فِرَقًا، فأمر الله عز وجل بالاجتماع على كتابه، وأعلَمَ أنَّ التَّفَرُّقَ فيه، يُفضي بأهله إلى مثل ما أفضى بأهل الكتاب إليه من الكفر.
والثاني: أن المراد بالاختلاف ههنا: اختلاف أهل الكتاب في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: فبعضهم آمَنَ، وبعضهم كفر.
والثالث: أنَّ الاختلاف ههنا: اختلاف اليهود والنصارى، و كتابهم جميعًا التوراة، وهم يختلفون، كل فرقة منهم ليست على شريعة الأخرى.
«فإن قيل» : إذا كان الاختلاف في الدِّين مذمومًا منهيًا عنه، فَلِمَ اختلفت هذه الأُمَّةُ في المذاهب والدِّيانات؟.
قلنا: ذاك اختلافٌ في المُجْتَهَدَاتِ، وجميع ذلك مدلولٌ على صحته، فيصير كاختلاف الأحكام المنصوص عليها، مثل: حُكْم المقيم والمسافر، في الصلاة والصيام، ونحو ذلك من الأحكام، في أنَّ كلًّا منها مأذون فيه بالشرع.