«فإن قيل» : كيف قال (لواقح) وهي مُلْقِحة؟
والجواب ما ذهب إليه أبو عبيدة: أن لواقح هاهنا بمعنى مَلاقِح جمع مُلْقِحَة، فحذفت الميم منه وردت إلى الأصل، وأنشد لنهشل بن حَرِّيّ يرثي أخاه:
لِيُبْك يزيدُ بائسٌ ذو ضَرَاعةٍ ... وأشْعَثُ ممن طَوَّحتْه الطَّوائحُ
أراد: المطوحات، فرد الحرف إلى أجل الثلاثي، واحتج أيضًا بقول رؤبة:
يَخْرُجْنَ من أَجْوَازِ لَيْلٍ غاضِ
يريد: مُغضٍ، وبقوله:
تَكْشِفُ عن جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالي
يريد: المُدْلِي، قال أبو بكر وقد قال العرب: أَبْقَلَ النبت فهو بَاقْلٌ، يجعلون باقلًا بدلًا من مُبْقِل، ففي هذا دليل على تعيين لاقح عن مُلْقِح، وإلى قريب من هذا ذهب الفراء؛ فقال: يجوز فاعل لِمَفْعَل، كما جاء لمفعول؛ نحو: ماءٍ دافقٍ، وسرًّ كاتمٍ، وليلٍ نائمٍ، وكما قيل: المَبْرُوز في معنى المُبْرَز في قوله:
النَّاطِقُ المَبْرُوزُ والمَخْتُومُ
وذلك أن هذه الأشياء لم يُرَدَّ البناءُ فيها إلى الفعل، واختار أبو علي أيضًا قول أبي عبيدة فقال: لواقح بمعنى مَلاقِح، على حذف الزيادة، قال: وكما حذفت الزيادة من الجمع هاهنا حذفت من المصدر في شعر أبي دُؤَاد يذكر سحابًا:
لَقِحْنَ ضُحَيُّا لِلَقْحِ الجَنُوبِ ... وأصبَحْنَ يُنْتَجْنَ ماءَ الحَيَاءِ
فقوله: (لِلَقْحِ الجنوب) ، تقديره: لإلقاحِ الجنوب، فحذف الزيادة من المصدر.
وقال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح، وإن ألقحت غيرها؛ لأن معناها النسب، وشرح أبو بكر هذا القول فقال: واحد اللواقح لاقح، ومعنى لاقح ذاتُ لَقْح، كما قالوا: تامِر ولابِن ونابِل، وأبو الهيثم اختار أيضًا هذا، وقال هذا كما يقال: دِرْهَم وازِنٌ، أي ذو وزن، ورامحٌ وسائفٌ، ولا يقال رَمحَ ولا سافَ، وهذا الذي ذكرنا قول هؤلاء وليس هذا بمعنى؛ لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات اللقاح حتى يوافق قول المفسرين، فإن أرادوا بقولهم (ذات لقح) أن الريح في الحامل نفسها لم يحتج فيها إلى القول بالنسب، ويكون معناه ما ذكره الفراء فقال: جعل الريح هي التي تَلْقَح بمرورها على السحاب والتراب والماء، فيكون هذا اللَّقَاح، فيقال: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح، واختار ابن قتيبة هذا القول، وكَرِه قولَ أبي عبيدة وقال: العرب تسمى الرياح لواقح، والريح لاقحًا.