قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) }
«فإن قيل» : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف به القلم؟ وليس الأمر بأنف؟ وكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم؟ فلا يمحو إلا ما سبق في حكمه وقضائه محوه، وهذا معنى قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ؟
قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ، الذي لا يبدل ولا يغير منه شيء، هذا قوله في رواية عطاء وعكرمة.
ومعنى (أم الكتاب) أصل الكتاب، والعرب تسمي كل شيء ضم إليه سائر ما يليه أُمًّا، من ذلك: أم الرأس، وهو الدماغ، وأم القرى مكة، وكل مدينة هي أم ما حولها من القرى، وكذلك أم الكتاب هو أجل لكل ما كتب على ابن آدم، وكل ما يجري من الكائنات والحادثات، قال كعب: علم الله ما هو خالقه، وما خَلْقُه عاملون، فقال لعلومه: كن كتابًا، فكان كتابًا، فهذا يدل على أن ما سبق في علمه أنه يمحى أو يثبت فلا يمحى في أم الكتاب، وأن المحو والإثبات مما سبق به القضاء.
وهل يمحى من أم الكتاب أم لا؟
يدل قول بعض المفسرين على أنه لا يمحى منه، فقد قال عكرمة عن ابن عباس: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء، وقول أكثرهم يدل أنه يُمحى منه ويثبت، وهو قول قتادة والضحاك وابن جريج فيما روى
عن عطاء عن ابن عباس، ونحوه روى أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في أم الكتاب الذي لا نظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء".