قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}
اختلف قول أهل المعاني في هذا:
فقال الفرَّاء والزجاجُ، وغيرُهما: كنتم خير أُمَّةٍ عند الله، في اللَّوْح المحفوظ. وقالا أيضًا: معنى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : أنتم خير أمة؛
كقوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] ، وقال في موضع آخر: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26] . وإضمارُ (كان) وإظهارُها في مثل هذا، سواءٌ، إلّا أنها إذا ذُكِرت كانت للتأكيد، ووقوع الأمرِ لا مَحالة.
قال ابن الأنباري: وهذا القول ظاهرُ الاختلال؛ لأن (كان) يُلغى مُوسَّطًا ومُؤَخَّرًا، ولا يُلغَى مُقدَّما؛ تقول العرب: (عبدُ الله كان قائمٌ) و (عبدُ الله قائمٌ، كان) ؛ على أنَّ (كان) مطروحة، ولا يقولون: (كانَ عبدُ الله قائمٌ) ، على إلغائها، لأنَّ سبيلهم أن يبدأوا بما تنصرف الغايةُ إليه، والمُلْغَى غير معني به، على أنَّه لا يجوز إلغاءُ الكَوْنِ في الآية؛ لانتصاب خبره، وإذا (أُعْمِلَ) الكَوْنُ في الخَبَرِ، فنصبه، لم يكن مُلغًى.
وقال بعضُ النحويين: إنما قال: {كُنْتُمْ} ، ولم يقل: (أنتم) ؛
لتَقَدُّمِ البِشَارَةِ بهذه الأُمَّة، ولِمَا قد كان يُسمَعُ مِنَ الخير في هذه الأمَّةِ؛ فكأنَّه قيل: كنتم خير أُمَّةٍ بُشِّرَت بها. وهذا القول، يُروى معناه عن الحَسَنِ.
وقال بعضهم: الكَوْنُ ههنا بمعنى: الوقوع والحُدُوث، وهي التَّامَّةُ التي لا تحتاج إلى خبر، فمعنى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : حَدَثْتم خَيْرَ أُمَّةٍ، ووُجِدْتُم وخُلِقْتُم خَيرَ أمَةٍ، فيكون {خَيْرَ أُمَّةٍ} حينئذ بمعنى الحَالِ. وهذا معنى قولِ ابن جَرِير.
وحكى الزجاجُ عن بعضهم: كنتم منذ آمنتم خيرَ أُمَّةٍ.