قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}
تعلقت الوعيدية بهذه الآية، وقالت: أخبر الله تعالى أن عصاةَ أهل الصلاة إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة مع الكفار؛ لأنه جمعهم في قوله: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .
والجواب: ليس الأمر على ما زعمتم، فقد قال ابن عباس في رواية عطاء: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} يريد الشرك.
وقال عكرمة عنه في هذه الآية: هم أهل الشرك.
أخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن الحسن الكارزي، أخبرنا على بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عبيد، حدثنا مُحمد بن ربيعة، عن النّضر بن عمران، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقال الربيع بن أنس: {إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} هو المنافق، ألا ترى يتلوه الكافرون.
وقال سعيد بن جبير: نزلت الأولى في المؤمنين، يعني قوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} الآية، والوسطى في المنافقين، يعني قوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ} ، والأخرى في الكافرين، يعني قوله: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ} .
وإذا كانت الآية نازلة إما في الكفار أو المنافقين، على قول الصحابة والتابعين الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، فلا وجه لحملها على أهل الصلاة.
وبهذا الإسناد الذي ذكرنا عن أبي عبيد قال: حدثنا ابن صالح , -يعني: عبد الله-، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} قال: ثم أنزل الله بعد ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجى أهل التوحيد إلى مشيئته، ولم يُؤيسهم من المغفرة.
«فإن قيل» : هذا على ما رَوَيتم نسخٌ للأول، ونسخ الخبر لا يجوز. قلنا: لا نَدعي النسخ، ولفظ النسخ لم يُنقل عن ابن عباس، ولكن الآية الأولى اقتضت العموم بظاهرها، فلما نزلت الآية الثانية علمنا أن المراد بالأولى غير أهل التوحيد، من المنافقين والكافرين.
وقوله تعالى: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} . الذين في موضع الخفض بالعطف على الأول. ومعناه: لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم في الآخرة، وإنما لم تقبل التوبة في الآخرة لرفع التكليف ومعاينة
ما وعدوا في الدنيا من الثواب والعقاب، ولهذا لم تقبل توبة المُحتَضر لمعاينة أحكام الآخرة.
قال الزجاج: ولأنه تاب في وقت (لا يُمكنه التصرف) فيما يُحقق التوبة.