فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 317

{فَمَا أَصْبَرَهُمْ}

«فإن قيل» : قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟

قيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا يجوز التعجب منه.

ومعنى التعجب: تَغَيُّر النفسِ لما يَرِدُ عَليها مما جُهِل سَبَبُهُ جدًّا، ونقل لفظ الفعل في التعجب من الثلاثي إلى الرباعي؛ لأنا ذكرنا أن التقدير: شيء أحسن زيدًا، فصار زيد مفعولًا لغيره، ولهذا انتصب المتعجب منه؛ لأنه مفعول في الحقيقة، والدليل على أنَّ أحسن هاهنا فعل: لزومُ الفتحِ آخره. ولو كان اسمًا لوجب أن يرتفع؛ إذ كان خبر المبتدأ، فلما لزمه الفتح دل على أنه فعل ماض. وقد يصغَّرُ فعلُ التعجب، فيقال: ما أُحَيْسِنَ زيدًا، كقول الشاعر:

يا ما أُمَيْلح غزلانًا شدنّ لنا

وتصغيره لا يدل على أنه اسم، وذلك أن فعل التعجب قد لزم طريقةً واحدةً، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا عليه التصغير تشبيهًا بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على غيره لشبه بينهما أن يُخرج من جنسه، ألا ترى أن اسم الفاعل قد أُعمل عمل الفعل ولم يخرج من أن يكون اسمًا، وكذلك الفعل أعرب؛ لشبهه بالاسم ولم يخرجه ذلك من أن يكون فعلًا، فكذلك فعل التعجب وإن صُغِّر تشبيهًا بالاسم؛ لم يجب أن يكون اسمًا. فقد بان بما ذكرنا أن قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ} إذا

قلنا: إنه تعجب، فعل منقول من الثلاثي إلى الرباعي، والهاء والميم في محل النصب بوقوع الفعل عليه.

قال ابن الأنباري: ويكون أصبر ههنا بمعنى: صبّر، وكثيرًا ما يكون أفعل بمعنى فعّل، نحو: أكرم وكرّم، وخبّر وأخبر، فهذا الذي ذكرنا بيان معنى التعجب وفعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت