فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 317

{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)}

قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}

احتج نفاة الرؤية بهذه الآية على أهل السنة فقالوا: أخبر الله تعالى أن الأبصار لا تدركه، وإنما قال هذا على سبيل التمدح، وما نفى عن نفسه على سبيل التمدح به وجب أن يكون ذلك على التأبيد كقوله: {لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 163] ، و {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] .

والجواب عن هذا من وجوه:

أحدها: أن الإدراك غير الرؤية لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه،

ويدل على هذا قوله تعالى إخبارًا عن قوم موسى {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا} [الشعراء:61 - 62] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم، والدليل على ذلك قوله تعالى {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} [الشعراء: 61] أي: رأى أحدهما الآخر، وكان الله تعالى قد وعد موسى أنهم لا يدركونه بقوله تعالى: {لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77] .

وقولهم: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61] يريدون أنهم قد قربوا من إدراكهم إياهم، ألا ترى أن موسى نفى ذلك بقوله: (كلّا) ، وهذا مذهب جماعة من المفسرين قالوا: [معنى] الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال الله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} : (لا تحيط به الأبصار) .

وقال ابن عباس في رواية عطاء:(كلت أبصار المخلوقين عن

الإحاطة به)، وقال الزجاج: (معنى إدراك الشيء: الإحاطة بحقيقته، وقد ينظر الرجل إلى الشيء ولا يدركه) ، ثم احتج على أن معنى الإدراك هاهنا الإحاطة بقوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] فقال: (أعلم الله تعالى أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم جل وعز أن خلقًا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به جل وعز والأبصار لا تحيط به) ، قال أصحابنا فعلى هذا نقول: الباري يُرى ولا يُدرك؛ لأن معنى الإدراك هو: الإحاطة بالرؤية بالمرئي، وإنما يجوز ذلك على من كان محدودًا وله جهات، والقديم الذي لا نهاية لوجوده يُرى ولكن لا يُدرك، وعلى هذا القول فاقد قلنا بظاهر الآية.

الوجه الثاني: تخصيص الآية، وهو قول جماعة من المفسرين أيضًا، قال ابن عباس: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (ينقطع عنه في الدنيا) ، وقال مقاتل: (لا تراه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة) ، وعلى هذا القول لا فرق بين الرؤية والإدراك، وهو مذهب شيخنا أبي الحسن؛ لأنه لا يفرق بينهما، ويقول: (معنى الآية {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} في الدنيا، قال: والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23] وهذه الآية مطلقة، وقوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} [القيامة: 22] مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، فلما كان قوله {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} يوجب نفي الرؤية، وقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] يوجب الرؤية، ولا يجوز التضاد، قلنا: الذي نفاه أراد به في الدنيا، والذي أثبته أراد به في الآخرة).

الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) ، وكذا هو في اللغة، قال الليث: (البَصَر: العين، والبَصَر: نفاذ في القلب. قال: فمعنى قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} لا يدركه علم العلماء، ونظيره {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، وهذا وجه حسن.

وأما قولهم: إن هذا على سبيل التمدح.

قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ليس في أن يستحيل أن يرى استحقاق مدح، ألا ترى أن كثيرًا من الأشياء الناقصة يستحيل أن يرى كالكفر والجهل، ثم لا يجب لها بذلك صفة مدح، فليس بأن يستحيل أن يرى تمدح؟

وإنما معنى الآية: أنه منع الرائين من رؤيته في الدنيا ولا يقدر أحد على أن يمنعه من رؤيته له، فهذا وجه التمدح، وهو معنى الآية، وعلى هذا الوجه، قال ابن عباس في قوله {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) .

وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء تحقيقًا

للمعنى الذي ذكرنا؛ لأن غير الباري لا يجوز أن يرى البصر، ولا يراه البصر، وقد يرى غير البصر، ولا يراه البصر، فلا يبعد ذلك وذكرنا قول الزجاج في معنى {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت