«فإن قيل» : كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟
والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة) ، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما
قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا
يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير:(أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي بذلك.
قال: فإن سألت الله عز وجل أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله عز وجل: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} ).
قال أبو علي:(فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
وقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] ) ، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: {آتَاهُمَا} .
ثم قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) .
وقال عبد الله بن مسلم:(وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية
والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك على العموم)، ونحو هذا قال مقاتل، قال: (انقطع الكلام عند قوله: {فِيمَا آتَاهُمَا} . ثم ذكر كفار مكة فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ} ) . قال السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} في شأن آدم وحواء، ثم قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) .
وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وتأويل الآية: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) . وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن:
(عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم) .
وروى سعيد عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا) . وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله) .
ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) .