فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 317

قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}

إن قيل: إن الله عز وجل لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} ؟

فالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين كفره إذا آمن، فإن كفر بعد إيمانه لن يغفر له الكفر الأول، لأنه إذا كفر بعد إيمانٍ قبله كفر، كان مُطالبًا بجميع كفره.

وهذا جواب ذكره الزجاج، وبه قال بعض الأصوليين.

وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله, فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا: إن توبته الأولى انتقصت حتى يلقى الله مؤاخذًا بحكم الزلة الأولى التي تاب عنها.

وقال الآخرون - وهو الاختيار: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه.

وعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر [[ ( ... و .... ) ] ] لحالهم، وأفردوا بذكر نفي المغفرة عنهم، وإن كان الله تعالى لا يغفر كفرًا مرة واحدة، تخصيصًا بالوعيد، كتخصيص جبريل وميكائيل من جملة الملائكة بالذكر تشريفًا وتعظيمًا، كذلك جاء هذا في نقيضه، ولا فرق بين أن يقول: إن اليهود لا يغفر الله لهم، وبين أن يقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لا يغفر الله لهم، لأنهم هم المعينون بهذا الوصف.

وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط، لأنه صار بالإيمان كمن لم يكفر، كما أن التائب من الذنب صار كمن لا ذنب له، فلا يؤاخذ به بعد أن ارتفع حكمه، كما لا يؤاخذ بما لم يعمله وإن عزم على عمله.

وقال الكلبي:"لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك".

وذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على أن المراد به ما أقاموا عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت