قوله تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}
قال أهل المعاني: معنى {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} : بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقوم؛ أي: قمت بعد إبطاء، قال تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] يعني: فعلوا بعد إبطاء؛ لتعذر وجودها، فعلى هذا (كاد) ليس بصلة.
وقوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} جاز أن تكون صلة؛ لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمة على عدم الرؤية، فوضح بذلك أنّ {يَكَدْ} مزيد للتوكيد، والدليل على الإساغة قوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} [الحج: 20] ولا يكون الضمير إلا بعد الإساغة، وأيضًا فإن قوله: {يَتَجَرَّعُهُ} يدل على أنهم أساغوا منه الشيء بعد الشيء، فكيف أن يصح أن يقال بعده: لا يُسيغه، ألبتة.
«فإن قيل» : فكيف وجه ما قاله المفسرون؟
قيل: يُحْمل على وجهين؛ أحدهما: ذكره ابن الأنباري وهو أن المعنى: ولا يُسيغ جمْعه؛ كأنه يَجْرع البعض، ولم يُسغ الجميع لمرارته، فوقع الجحدُ بعد إثباتِ التَّجرعِ؛ على معنى إساغة الكل.
الوجه الثاني: أن معنى الإساغة في اللغة: إجراء الشراب في الحلق على تَقَبُّل النَّفْس واستطابة المشروب، والكافر يتجرع ذلك الشراب علي كراهته ولا يُسيغه أي: لا يستطيعه ولا يشربه شُربًا بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا من الوجهين يصح أن تكون (يكاد) صلة على ما ذكره المفسرون، وقول من لم يجعل (يكاد) صلةً أمثل.
وقوله تعالى: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}
ذكر أهل المعاني في {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ} وجهين:
أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى: ويأتيه هَمُّ الموت وألمُه وكربُه؛ لأنه يستحيل أن يأتيه الموت؛
عين الموت ثم لا يموت، وقد قال الله: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} .
والمعنى: أن الله تعالى حبس نفس الكافر في جسده على اجتماع آلام الموت وأفانِينِه عليه ليصل إليه الألم، ومع ذلك لم يفارقه الروح فيستريح، الوجه الثاني: أنه أراد بالموت هاهنا: موت الضُّر والبلاء؛ كما يقال: فلان ميت مما لحقه، ومات فلان موتات بما أباح عليه من البلية؛ يعني: إنه كالميت وإن كان فيه روح، كما ورد في الحديث:"إن الفقر مكتوب عند الله الموت الأعظم"وقد قال الشاعر:
ليس مَنْ مَاتَ فاسْتَرَاحَ بمَيتٍ ... إنَّما الميتُ ميتُ الأحْيَاءِ
إنَّما الميتُ مَنْ يَعيشُ كَئِيبًا ... كاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّخَاءِ
فجعله ميتًا، وهذا قول أبي بكر، وهو معنى قول الأخفش؛ يعنىِ: البلايا التي تصيب الكافر في النار.
وقوله تعالى: {مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} قال ابن عباس: يريد من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عِرْق، وهذا قول أكثر المفسرين: جعلوا المكان من جسده، وروى عن ابن عباس في قوله من كل مكان: أي من كل جهة؛ من عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه.