فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 317

قوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}

اختلفوا في قول الملائكة: (أتجعل فيها) على أي وجه حصل منهم هذا: فروي أن الذين قالوا هذا عشرة آلاف من الملائكة، فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم.

وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر:9] ، يعني كمن هو غير قانت، وكقول أبي ذؤيب:

عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا

أراد: أرشد أم غي، وعلى هذا فالملائكة أرادوا بالاستفهام أن يخبروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض، فقال الله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد.

وقيل: لما قال الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: أن فيهم المطيع والعاصي جميعًا.

وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو: أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة فرقة من بني آدم تسفك الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان إعلامه إياهم هذا زيادة في التثبيت في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق فيها قومًا يسفكون الدماء ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون.

«فإن قيل» : فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟

قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد في الأرض، وسفك للدماء، فحذف هذا اكتفاء بما دل عليه من جواب الملائكة، كما

قال الشنفرى:

فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ

أراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار. معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم وصرنا سكانها، فأخبِرْنا وجه الحكمة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت