قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}
قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله عز وجل قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد: 13] .
ومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} لأن المعنى ذهب إلى المنافقين.
فعلى قول هذين النور كان للمنافقين فأذهبه الله، والكناية راجعة إليهم.
وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ: (فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره) ليشاكل جواب (لما) معنى هذه القصة. ولكن لما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب (لما) اختصارا وإيجازا، وهذا طريق حسن في الآية.
وفيها طريق آخر: وهو أن {الَّذِي} في قوله: {الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} المراد به الجماعة.
ووحد الفعل في (استوقد) لأن (الذي) وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد.
وإنما قال: بنورهم والمذكور في أول الآية النار، لأن النار شيئان، النور والحرارة، والنور هاهنا كان أجدى المنفعتين.
وذكر صاحب النظم في الآية طريقة ثالثة، وهو أنه قال: العلة في توحيد {الَّذِي} وجمع الكناية في قوله: {بِنُورِهِم} أن المستوقد كان واحدًا من جماعة تولى الاستيقاد لهم، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا دون أصحابه لتوليه ذلك دونهم، فلما ذهب الضوء، رجع ذهابه عليهم جميعا، فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا به.