«فإن قيل» : كيف يُرَدّ (أم تريدون) عليه والأول خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والثاني خطاب للجماعة؟
قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به عليه السلام فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] ، فوحَّد ثم جَمَعَ،
كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم.
وإن شئت جعلت أم منقطعًا مما قبله في المعنى، مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ مُبتدئًا في المعنى، كقوله تعالى: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} الآية. ثم قال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} [الزخرف:51 - 52] وهذا يطرد فيه الوجهان العطف بالاستفهام، والابتداء به. ومثله قوله: {مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} [ص:62 - 63] . فمن قرأ: {أَتَّخَذنَاهُم} بفتح الألف فـ (أم) جاءت بعد الاستفهام، ومن وصل الألف فـ (أم) فيه بمنزلته في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة: 3] .
قال الفراء: وربما جعلت العرب (أم) إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه أيٌّ على جهة (بل) فتقول: هل لك قبلنا حقٌ أم أنت رجل ظالم؟ على معنى: بل أنت.
وأنشد ابن الأنباري على هذا:
تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ... وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ
فقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله:
فوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ... بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ
ويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا.