قوله عز وجل: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}
قال الفراء: إنما قال: {إِمَامًا} ولم يقل: أئمة، كما قال: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] ، للاثنين، وعلى هذا هو من الواحد الذي أُريد به الجمع، كقول الشاعر:
يا عاذلاتي لا تُردْن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير
وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ، يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب.
ونحوه قول الحطيئة:
.... الأَطِبَّةُ والإسَاءُ
جمع آسٍ.
وقال غيره: الإمام، هاهنا: مصدر سمي به؛ يقال: أمَّ فلان فلانًا إمامًا، كقولك: قام قيامًا، وصام صيامًا.
وروي عن مجاهد، في هذه الآية روايتان؛ إحداهما: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} قال: مؤتمين بهم مقتدين بهم. وعلى هذا يجب أن تكون الآية من باب القلب؛ على تقدير: واجعل المتقين لنا إمامًا.
والثانية قال: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يَقتدي بنا مَنْ بعدنا. وعلى هذا في الكلام محذوف يدل عليه الباقي؛ حُذف سؤالهم الاقتداء بمن قبلهم من المتقين، وذُكر سؤالهم أن يقتدي بهم المتقون؛ لأنهم لا يصيرون قادة متبعين حتى يقتدوا أولًا ويتبعوا.
وحكى الفراء، والزجاج، هذا القول الأخير. قال مقاتل: أخبر الله تعالى عن أعمالهم ثم أخبر عن ثوابهم.