فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 317

قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا}

هذا يُتَأول على وجهين:

أحدهما: أنهم أُمروا بالطاعة فعصوا، وهذا قول سعيد بن جبير، والمعنى على هذا: أَمَرْناهم على لسان رسولٍ بالطاعة ففسقوا، هذا نحو قولك: أمرتُك فعَصَيْتني، فقد عُلِمَ أن المعصية مخالفة للأمر، ولذلك؛

الفسق مخالفة أمر الله، فقوله: {أَمَرْنَا} يدل على أنه أمر بالطاعة وإن لم يُذْكر؛ كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ معناه: أمرتك بطاعتي،

«فإن قيل» : لِمَ خص المترفين بالأمر بالطاعة، وأمره بالطاعة لا يكون مقصورًا على المترفين، وقد أمر الله بطاعته جميع خلقه من مترف وغيره؟!

قيل: لأنهم الرؤساء الذين من عداهم تبع لهم، كما أن موسى بُعث إلى فرعون ليأمره بطاعة الله وكان من عداه من القبط تبعًا له.

هذا إذا قلنا: إن قوله: {أَمَرْنَا} من الأمر الذي هو ضد النهي.

الوجه الثاني: أن معنى قوله: {أَمَرْنَا} أكثرنا، وهو قول مجاهد في رواية عبد الكريم، قال: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} : أكثرنا فساقها.

ونحوه روى سِمَاك عن عكرمة وعمر بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير، والعرب: تقول أَمِر القومُ إذا كثروا، وأمرهم اللهُ، أي: كَثَّرَهم، وآمَرَهم أيضًا بالمد.

روى الجَرْميُّ عن أبي زيد: أمِرَ اللهُ القومَ وآمرهم أي كَثَّرَهم، قال: مِثلُ نَضَّرَ اللهُ وجهه وأنضره، ومثل أَمِرَ القوم وأمَرَهم غيرُهم، ورَجَعَ ورَجَعْتُه، وسَلَكَ وسَلَكْتُه، قال الله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] ، وشَتِرتْ عَيْنُه وشَتَرْتُهَا.

قال أبو عبيدة: وقد وجدنا تثبيتًا لهذه اللغة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"سِكّة مَأْبُورة، ومُهْرة مَأْمورة".

قال أبو زيد: هي التي قد كَثُر نَسْلُها، يقولون: أمَر اللهُ المُهْرةَ؛ أي كَثَّر ولَدَها، وأبى قوم أن يكون (أَمَر) بمعنى أكْثَر، وقالوا: أمِرَ القوم إذا كَثُروا، وآمرهم اللهُ بالمد، أي: أكثرهم، وتأولوا في قوله: (مهرة مأمورة) أنها على الإتْبَاع لمأبورة؛ نحو الغدايا والعشايا.

وروى أبو العباس - ختن ليث - عن أبي عمرو أنه قرأ {أَمَّرْنا} بالتشديد، وهو يوافق تفسير ابن عباس فيما روى عنه الوالبي، يقول: سَلَّطنا شرارها فعَصوا.

وقال أبو إسحاق: أي جعلنا لهم إمْرةً وسلطانًا، وقال في رواية عطاء: يريد سَلَّطنا مُلُوكَها.

قال أبو علي الفارسي: حَمْلُ أَمَّرْنا على أنه مثل: آمَرْنا؛ نحو: كَثَّرَهُ اللهُ وأَكْثَرَه، ولا يُحْمَل أمَّرْنا على أن المعنى: جعلناهم أُمراءَ؛ لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدّةُ أُمراءَ.

وهذا الذي قاله أبو علي لا يقدح في قول ابن عباس؛ لأن القريةَ الواحدة قد يكون فيها أمراء كثير تبعًا لواحد هو أكبرهم، فهم يُسَمَّون أمراء ويكونون مُسَلَّطين، وإن كان فوقهم غيرُهم هو الأعظم، فهؤلاء لا يخرجون

عن سِمَة الإمارة، ويُقَوّيَ ما قاله أبو علي: أن يونس روى عن أبي عمرو أنه قال: لا يكون أمَرْنا مخففة بمعنى كثرنا، ولمّا أراد معنى الكثرة شَدَّد الميم ولم يقرأ بمد الألف لمّا لم يكن بالمصحف إلا ألف واحدة.

وروى حماد بن سلمة عن ابن كثير: آمَرْنا بالمد، وهي اللغة العالية؛ يقال: أمِرَ القوم وآمرهم الله، أي: أكثرهم، فهم مؤمَّرُون.

ونحو هذا روى خارجة عن نافع، قال أبو إسحاق: ويكون لقوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} معنى آخر غير كثرة العدد، وهو أن تكثر جِدَتُهم ويَسَارُهُم.

قال أبو عبيد: الوجه قراءة العامة؛ لاحتماله معنى الأمر والكثرة،

فإنه يقال: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر.

وأما المترف فمعناه في اللغة: المُنَعَّم الذي قد أبطرته النعمة وسِعةُ العيش.

والمفسرون يقولون في تفسيرها: الجبارين والمسلطين والملوك.

وقوله تعالى: {فَفَسَقُوا فِيهَا} أي تمردوا في كفرهم، إذ الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت