فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 317

قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ}

موضع (أن) نصب، لأن المعنى: استشهدوا امرأتين، لأن تُذَكّر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر.

«فإن قيل» : إذا كان المعنى هذا فلم جاز: أن تضل، والشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر والإذكار؟ والجواب عنه: أن

الإذكار لما كان سببه الإضلال، جاز أن يذكر (أن تضل) ؛ لأن الضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، كما تقول: أعددت هذا أن يميل الحائط فأدعمه، وإنما أعددت للدعم لا للميل، ولكن ذكر الميل لأنه سبب الدعم، كما ذكر الضلال لأنه سبب الإذكار، هذا قول سيبويه، وعليه البصريون.

وقال الفراء: معنى الآية: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، كي تُذَكِّر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن، قال: ومثله من الكلام؛ إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى، معناه: إنه ليعجبني أن يعطى السائل أن سأل؛ لأنه إنما يعجبه الإعطاء لا السؤال، فلما قدموا السؤال على العطية أصحبوه أن المفتوحة ليكشف المعنى، فعنده (أن) في قوله: {أَنْ تَضِلَّ} للجزاء، إلا أنه قدم وفتح، وأصله التأخير. وأنكر البصريون هذا القول.

قال أبو إسحاق: لست أعرف لم صار الجزاء إذا تقدم وهو في مكانه وغير مكانه وجب أن تفتح أن.

وقال أبو علي: ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها، والقياس يفسدها، ألا ترى أنا نجد الحرف العامل إذا تغيرت حركته لم يوجب ذلك تغيرًا في عمله ولا معناه، وذلك ما رواه أبو الحسن فتح اللام الجارة مع المظهر، عن يونس وأبي عبيدة وخلف الأحمر، فقال: لَزَيْدٍ، فكما أن هذا اللام لما فتحت لم يتغير من عملها ومعناها شيءٌ عما كان عليه من الكسر، كذلك (إن) الجزاء لو فُتِحَتْ لم يجب على قياس اللام أن يتغيَّرَ له معنى ولا عمل، ومما يبعد ذلك: أن الحروف العاملة إذا تقدمت كانت مثلها إذا تأخرت، لا تتغير بالتقدم عما كانت عليه في التأخير، ألا ترى أن من قال: بزيدٍ مررتُ، وإلى عمروٍ ذهبتُ، فقدم الحرف كان تقديمُه مثلَ تأخيرِه لا يُغَيِّرُ التقديم شيئًا كان عليه في التأخير.

وقال صاحب النظم في هذه الآية: التقدير: مخافة أن تضل وخوفًا لكم، أن تضل أن تنسى، لما فيهن من النقص عن ذكر الرجال وحفظهم، كما قال عمرو بن كلثوم:

فَعجَّلْنَا القِرَى أن تَشْتِمُونَا

قيل فيه: مخافة أن يشتمونا، وهذا لا بأس به لو لم يكن بعد قوله: {أَنْ تَضِلَّ} {فَتُذَكِّرَ} ، ولما عطف قوله: {فَتُذَكِّرَ} على {أَنْ تَضِلَّ} فسد هذا القول؛ لأن الخوف على الضلال يصح، والخوف على التذكير لا يصح؛ لأن إشهاد امرأتين للتذكير لا لخوف التذكير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت