قال ابن عباس: يريد: مِن خَلْفِكُم. يقال: (جاءَ فلانٌ في آخِرِ النَّاسِ) ، و (آخِرَةِ النَّاس) ، و (أُخْرَى الناس) ، و (أُخْرَاة الناس) .
وقوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ} الإثَابَةُ: أكثر ما تُسْتَعمل في الخير، ويجوز استعمالُه في الشَّرِّ، لأن أصله: ما يَرْجِعُ مِنَ الجَزَاء على الفِعْل، طاعةً كان أو معصيةً، ولكنه كَثُرَ في جَزَاء الطاعة، كما تقول في (الطَّرَب) ، فإنَّ أصْلَهُ: خِفَّةٌ تأخذ الإنسانَ، مِنْ فَرَحٍ أو حُزْنٍ، كما قال:
طَرَبَ الوَالِهِ أوْ كالمُخْتَبَلْ
إلا أنَّه كَثُرَ استعمالُهُ في خِفَّةِ الفَرَحِ، وَنَشَاطِ السُّرُورِ.
وقال أصحابُ المعاني: معنى قوله: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} ؛ أي: جَعَلَ مكانَ مَا تَرْجُونَ مِنَ الثَّوَابِ، الغَمَّ؛ كما تقول: (تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ) ، و (عِتَابُكَ السَّيْفُ) ؛ أي: تجعل هذا مكانَ ذاك. قال عَمْرو بن مَعْد يكَرِب:
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضرْبٌ وَجِيعُ
أي: جَعَلُوا الضربَ الوجِيعَ، مَكَانَ التَّحِيَّةَ بين القَوْمِ.
وقال الفَرّاء: الإثابة -ههنا- في معنى: (عِقَاب) ، ولكنه كما قال الشاعر:
أَخَافُ زِيَادًا أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ ... أدَاهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً فُتْلا
يعني بـ (السُّودِ) : القيود، وبـ (المحَدْرَجَة) : السِّيَاط. وأرادَ: أخافُ أنْ يَجْعَلَ مَكانَ عَطائِهِ، القُيُودَ والسِّيَاطَ.
قال: وقد يقول الرَّجُلُ [لـ] الذي اجترم إليه: [ (لَئِنْ] أتَيتَنِي؛ لأُثِيبنَّك ثَوَابَكَ) ، معناه: لأعاقبنَّكَ. وهذا راجعٌ إلى ما ذكرنا مِن قَوْلِ أصحابِ المعاني.
وقوله تعالى: {غَمًّا بِغَمٍّ} أي: أثَابَكم غَمًّا، وهو: الهَزِيمَة، وظَفَر
المشركين بكم. {بِغَمٍّ} ، يعني: بِغَمِّكمْ رَسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذْ عَصَيْتموهُ وَضَيَّعتم أمرَهُ. فالغَمُّ الأوّل لهم، والغَمُّ الثاني للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا القول، اختيار الزجاج.
وقال الحسن: غَمّ يومِ أحُد للمسلمين، بغَمِّ يومِ بَدْرٍ للمشركين.
وقيل: الغَمُّ الأَوَّل: ما أصابهم مِنَ الهزيمة والقتل. والغَم الثاني: إشْرافُ خالد بن الوَلِيد عليهم، في خَيْلِهِ، فَرَعَبَهم ذلك، وزَادَ مِنْ قَلَقِهم. وهذا قول أكثر المفسرين، واختيار الفراء.
وقيل: الغَمّ الأوَّل: ما أصابهم مِنَ القتل والجرح. والغَمّ الثاني: ما سَمِعوا أنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِلَ. وهذا قول: قَتَادة، والرَّبِيع، وابنِ عبَّاس -في رواية عطاء- فإنَّه قال في قوله: {غَمَّا بِغَمٍّ} ؛ يريد: الهزيمة، وحيث قال ابنُ قَمِيئَةُ: قد قتلتُ محمدا.