«فإن قيل» : فما الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟
قيل: فيه فوائد كثيرة، منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه.
ومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد.
ومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سببًا يدعوه إلى حفظ غيرها.
قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم في إثبات توحيده احتج عليهم - أيضا - في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة والسلام، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ، أي من مثل القرآن.
والكناية في (مثله) تعود إلى (ما) قوله: {مِمَّا نَزَّلْنَا} .
ودليل هذا التأويل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34] . وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ، وقوله: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار.
و (من) يكون للتبعيض على هذا القول، لأن التحدي في هذه الآية وقع ببعض القرآن، وهو السورة. ويحتمل أن تكون للتجنيس، أي: من
جنس هذا الكتاب كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} . [الحج:30] وقيل: (من) هنا صلة، معناه: فأتوا بسورة مثل القرآن، كقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] أي: أبصارهم، وقال النابغة:
وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ
أي: أحدًا.
قال النحويون: (مِنْ) ، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها، كقولك: سرت من الكوفة إلى البصرة.
والثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوبًا.
والثالث: التجنيس، كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] .
والرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد
وهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا، وهو (أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل أحوالها أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة، فأما امتناع حذفها، فمن قبل أن الغرض في هذه الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت:(ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفي) ، وإذا قلت: (هل قام زيد) ؟ نابت (هل) عن (أستفهم) ، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهب بحذف الحرف تخفيفا، لأفرطت في الإيجاز، لأن اختصار المختصر إجحاف به. وأما وجه ضعف زيادتها، فلأن الغرض
في الحروف الاختصار كما ذكرنا، فلو ذهبت تزيدها لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار، ولولا أن في الحرف إذا زيد ضربًا من التوكيد لما جازت زيادته ألبتة، كما أنه لولا قوة العلم بمكانه لما جاز حذفه ألبتة، وإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا من هذا أنا متى رأيناهم قد زادوا فقد أرادوا غاية التوكيد، كما أنا إذا رأيناهم قد حذفوا حرفًا فقد أرادوا غاية الاختصار، ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، وحذف ما وضعه على نهاية الاختصار.