فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 317

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}

أي: أن يَخُونَ فيكم الغنيمةَ مِن أصحابه. أو أنْ يَخُونَ بأن يعطيَ البعضَ دون البعضِ، على ما روي في سبب النزول.

«فإن قيل» : ما معنى تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - ههنا-، وغيرُهُ يساويه في أنه ليس له ذلك؟.

قلنا: (أَنْ) مع المستقبل، تكون بمعنى المصدر؛ كأنه قيل: (ما كان لِنَبي الغُلُول) ؛ أراد: ما غَلَّ نَبِيٌّ. ينفي عن الأنبياء الغُلُولَ، لا أنه ينهاهم بهذا اللفْظَ.

وقال بعض أهلِ المعاني: اللّام فيه منقولة؛ معناه: ما كان نَبِيٌّ ليَغُل، كقوله -عز وجل-: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} [مريم: 35] ، أي: ما كان الله لِيَتّخِذَ [ولدا] ، على نفي الاتخاذ، -كذلك- الآيةُ على نفي الغُلُول عن الأنبياء.

وحجة هذه القراءة: ما روي عن ابن عباسٍ -في أكثر الروايات- في سبب نزول الآية، وعن الكلبي ومقاتل، وذلك يدل على نَسَبِ الغُلُول إلى

النبي - صلى الله عليه وسلم -، فَنَفى ذلك عنه. و-أيضًا- فإنَّ ما هو مِن هذا القبيل في التنزيل، أُسنِدَ الفعلُ فيه إلى الفاعل، نحو: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ} [يوسف: 38] ، و {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} [يوسف: 76] ، و {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} [آل عمران: 145] ، و {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا} [التوبة: 115] , و {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ} [آل عمران: 179] .

ولا يكاد يجيء منه: (ما كان زيدٌ ليُضْرَبَ) ، فيُسنَد الفعلُ فيه إلى المفعول به، فكذلك: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} يُسندُ فيه الفعلُ إلى الفاعل. يُؤكِّدُ هذا الفصل، ما حكى أبو عبيد عن يونس أنه اختار (يَغُلّ) -بفتح الياء-، وقال: لا يكون في الكلام: (ما كان لك أن تُضْرَب) بضم التاء.

وهذه القراءة اختيار ابن عباس، كان يقرأ (يَغُلّ) بفتح الياء، فقيل له: إنَّ ابن مسعود يقرأ: {يُغَلّ} ، فقال ابن عباس: قد كان النبي يُقتَل، فكيف لا يُخَوَّنُ؟.

والقراءة الثانية: {يُغَلّ} بضم الياء، وفتح الغين.

وهذه القراءة تحتملُ وجهين: أحدهما: أن يكون من (الغُلُول) . والثاني: أن يكون من (الإغلال) .

فإن جعلتها من (الغُلُول) احتملت معنيين: أحدهما: أن معنى قوله: {وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يُغَلّ} ؛ أي: ليس لأحدٍ أن يَغُلَّهُ، فيأخذ مِنَ الغنيمة التي حازها على طريق الخيانة، وإن كان لا يجوز أن يُغَلّ غيرُ النبيِّ، مِن إمام المسلمين وأميرٍ لهم.

وفائدة تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذِّكْر: أن الغُلُول يَعْظُمُ بحضرته، ويكبر كِبَرًا لا يكبر عند غيره؛ لأن المعاصي بحضرته أعظم.

المعنى الثاني: أن تكون (أَنْ) مع الفعل، بمنزلة المصدر؛ كما

ذَكَرْنا في القراءة الأولى. ويكون المعنى: ما كان لِنَبيٍّ غُلولٌ من المُتَحقِّقِينَ بِنُبُوَّتِهِ؛ أي: لم يَخُنْهُ أصحابُهُ وأنصارُهُ، ويكون في هذا ذَمٌّ لِمَن خانَه.

يُؤكِّد هذا المعنى ما روى عطاءٌ عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يَغُلَّ} ؛ يريد: أن يكون ممن يَصْحَبُهُ، أحدٌ يَغُلُّ ويَسْتَحلُّ الغُلُولَ.

وإن أخذت بهذه القراءةِ مِنَ (الإغْلال) ، احتَمَلَتْ -أيضا- معنيين:

أحدهما: أن يكون (الإغلال) بمعنى (الغُلول) . يقال: (غَلّ الرجلُ مِنَ الغنيمة، يَغل غَلًّا، وغلولًا) ، و (أَغَلّ إغلالًا) : إذا سَرَق منها. ذكره الزّجاج في باب الوفاق ومِن هذا يقال: (أغَلّ الجازِر، والسَّالِخُ) : إذا أبْقَى في الجِلْدِ شيئًا مِنَ اللَّحْمِ؛ على طريقِ السَّرِقَةِ والخيانة.

المعنى الثاني: أنْ يكون (الإغلالُ) بمعنى النسبة إلى الغُلُول.

فيكون المعنى: وما كان لِنَبِيٍّ أن يُنْسَبَ إلى الغُلُول؛ أي: لا يُقَال له غَلَلْتَ.

قال الفرّاءُ، في هذه الآية: وقرأ أصحاب عبد الله: {يُغَلّ} ؛ يريدون: أنْ يُسَرَّقَ ويُخَوَّنَ، وذلك جائزٌ، وإنْ لم يَقُل: (يُغلَّل) ، فيكون مثل قوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} ، و {ويُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام: 33] .

«فإن قيل» : لا يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: {لا يَحْسِبَن الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم بِمَفَازَةٍ} ، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ.

قيل: إن الفاء زائدة؛ يَدُلُّك على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون

عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.

وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز -أيضًا- أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:

وإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي

وكما أنشد قُطْرُب:

وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ

وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.

وقوله تعالى: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} قد تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه) ، و (حَسِبْتُني ذاهبًا) .

يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا) . لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي) ، و (أَحْسِبُنِي) .

وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في {يَحْسِبُنَّهم} ؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين. و-كذلك- يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت