فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 317

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9)}

«فإن قيل» : المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يجل عن أن يشاركهم في الخدع، فما وجه قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} ؟

والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم: إن الخداع منهم يقع بالاحتيال والمكر، ومن الله تعالى بأن يظهر ويعجل لهم من الأموال والأولاد ما يدخر، ويؤخر خلافه، فأشبه هذا فعلهم، إذ كانوا يظهرون الإيمان بالله ورسوله، ويضمرون خلاف ما يظهرون، والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة، فجمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة.

وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد على الأصلين، أما الإخفاء فقد ذكره، وأما الفساد، فكما أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون، كذلك الله تعالى أفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما أصارهم إليه من عذاب الآخرة.

وقيل: يخادعون الله، أي: (يخدعون) ، قال اللحياني وأبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى خدعته، والمفاعلة كثيرًا ما تقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، ومعناه على هذا: يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله.

وقال الحسن: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .

وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} [الأحزاب: 57] أي أولياءه، وعلى هذا التأويل (المخادعة) أيضًا من الواحد.

وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد بالمخادعة الذين آمنوا، فصار كقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت