وإنما قال: (تتَّقوا) ؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً) ، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلانًا لقاءً حسنًا) ، قال القُطامي:
وليس بأنْ تتَّبعه اتِّباعا
وقال أيضًا:
ولاح بجانب الجبلين منه ... ركامٌ يَحْفِر التُّربَ احتفارا
وقال بعض النحويين: (تقاة) اسم وضع موضع المصدر كما يقال: (جَلَسَ جَلْسَةً) ، و (رَكِبَ رِكْبَةً) ، وكما قال:
وبَعْدَ عطائِكَ المائةَ الرِّتاعا
فأجراه مجْرَى الإعطاء.
قال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة) ، فتكون حالًا مؤكدة.
قال المفسرون: هذا في المؤمن، إذا كان في قوم كفَّار، ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّمًا؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة المسلمين.
قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] ، كان ذلك فضيلةً له.
وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي رحمه الله: [أنَّ الحالةَ بين] المسلمين، إذا شاكلت الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن المُهْجَةِ.