قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء عليه، وشكرا له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم وارتفعت درجتكم بقوله عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} معناه يقولون: ما نعبدهم.
ثم إذا قال القائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فقد أثنى على الله تعالى، فيكون بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه.
يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي:"أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر"فقيل له: ما في هذا من الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا) . فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:
كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ
إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟.
قال: وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع.