والمعنى الثاني: جعل الشيء سببا للحكم أو شرطا فيه أو مانعا منه. وقد استخدموا هذا الإطلاق عندما قسموا الخطاب الشرعي إلى خطاب تكليفي وخطاب وضعي [1] . ولا يخرج هذا الإطلاق عن كونه نوع تخصيص للذي قبله لأن الأحكام الوضعية ما هي إلا علامات أو أدلة على الأحكام التكليفية وجودا وامتناعا.
والمعنى الثالث، وهو، أيضا، نوع تخصيص للمعنى الأول: جعل اللفظ، بالذات، دليلا على المعنى. وهذا الإطلاق يصدق على جميع الألفاظ الدالة على معنى:
1.مفردة أم مركَّبة.
2.استُعملت في المعنى أم لم تُستعمل بعد.
3.سبق النطق بها أم لم يسبق.
4.حقيقية أم مجازية.
فالمفرد: كـ (( جاء ) )في الدلالة على فعل المجيء، والمركَّب: كـ (( جاء زيد ) )في الدلالة على نسبة فعل المجيء لزيد.
والمستعمل في المعنى: كـ (( جاء ) )في دلالته على فعل المجيء؛ فإن هذا اللفظ مشهورٌ استعماله في هذا المعنى، وغير المستعمل بعد: كـ (( زيد ) )في دلالته على مولود بعينه، وُلد للتوّ فسماه أبوه زيدا ولا معرفة لأحد بذلك.
والذي سبق النطق به: كـ (( زيد ) )في الدلالة على أول مولود سُمي بذلك فإنه مشتق من الزيادة من: زادَ يزيدُ زيدًا، والذي لم يسبق النطق به، وهو المرتجل في الاصطلاح: كـ (( غطفان ) )في الدلالة على القبيلة المعروفة.
والحقيقية: كـ (( أسد ) )في الدلالة على الحيوان المعروف، والمجازية: كـ (( أسد ) )في الدلالة على الرجل الشجاع.
وقد استخدم الأصوليون هذا الإطلاق عند تقسيمهم الأدلة الوضعية إلى: وضعية لفظية، ووضعية غير لفظية [2] ؛ فجعلوا الأدلة الوضعية اللفظية تشتمل على الألفاظ الدالة على معنى جميعها. واستخدموه، أيضا، حينما وصفوا اللفظ المركب كـ (( قام زيد ) )بأنه موضوع للدلالة على معناه المركب [3] . واستخدموه، كذلك، عندما عرفوا المجاز بأنه المستعمل في المعنى بوضع ثان [4] .
(1) وهاهنا نجدهم لم يستخدموا إلا لفظ الوضع ولم يستخدموا التواضع أو المواضعة لأنهما يستلزمان الاشتراك في الوضع، والأحكام الوضعية تفرَّد الشارع بوضعها.
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 37.
(3) انظر: السبكي، الإبهاج، ج 1، ص 192.
(4) انظر: المحلي: الجلال محمد بن أحمد، شرح المحلي على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 1418 ه=1998 م، ج 1، ص 481.