لا شك أنا نسلم بما قاله إمام الحرمين وأتباعه من أن القرائن الحالية لا تنضبط في نفسها بحيث يمكن تعداد جميع أفرادها، كما ونسلم، أيضا، بأن بعض القرائن الحالية المشاهَدة تأبى على الوصف والنقل ولا تبلغها غايات العبارات، لكنا نخالفه في أمرين:
• أحدهما: إحالته حدّ أو تعريف القرائن الحالية. وذلك لأن عدم انضباط القرائن الحالية عدا وحصرا لا يحول دون عبارة جامعة تشمل جميع أفرادها. نعم لا يكون حدُّها في هذه الحالة حدا حقيقيا يسفر عن مكوناتها الذاتية، ولكنه حد رسمي ـ وهذا هو شأن مُعظم الحدود ـ يجمع ويمنع. وقد اخترنا نحن، كما تبين لك، أن نحدَّها بأنها: كلُّ ما احتف بالخطاب وأثر على دلالته ما عدا السياق. وقد توصلنا إلى هذا الحد عن طريق (( التقسيم ) )، إذ إنا قد وجدنا أن ما يُؤثِّر على دلالة الخطاب ـ أو على دلالة أجزاء منه ـ بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح، ينحصر في ثلاثة أقسام:
1.فإما أن يكون هذا المؤثر مكوِّنا من مكوِّنات مقال الخطاب الثلاثة: وهي المواد: المعجمية والصرفية والتركيبية. وقد سبق لنا بيانُها.
2.وإما أن يكون السياق الذي ورد فيه الخطاب.
3.وإما أن يكون شيئا آخر. ولا رابع لهذه الأقسام.
وما دمنا قد عَرَفنا ما هي مكونات مقال الخطاب، وعَرَفنا، أيضا، ما هو السياق الذي ورد فيه الخطاب، فبناء على ذلك يمكننا القول بأن أيّ مؤثر يؤثر على دلالة الخطاب ـ أو على أجزاء منه ـ ما عدا هذين المؤثرين يدخل ضمن مفهوم الحال التي ورد فيها الخطاب، أو بعبارة أخرى، هو قرينة حالية محتفة بالخطاب.
وإلى هنا فقد جاز لنا أن نقول بأن القرائن الحالية هي: كل شيء أثَّر على دلالة الخطاب، أو على دلالة جزء منه، من غير كونه مكونا من مكونات الخطاب، ومن غير كونه سياقا ورد فيه الخطاب. لكنْ، وبما أنا صرّحنا في بداية التعريف الذي اخترنا بأن الحال التي ورد فيها الخطاب أو القرائن الحالية: (( هي كل ما احتف بالخطاب ... ) )فقد استغنينا بهذا التعبير (كل ما احتف بالخطاب) عن استثناء مكونات الخطاب نفسه من التعريف كما فعلنا بالنسبة للسياق؛ وذلك لأن ما يحتف بالخطاب هو بالضرورة شيءٌ مغايرٌ للخطاب نفسِه، أو بعبارة أخرى، هو شيءٌ خارجٌ عن أن يكون مكونا من مكونات الخطاب. وبهذا صَفِيَ لدينا بأن الحال التي ورد فيها الخطاب أو القرائن الحالية هي: كل ما احتف بالخطاب وأثر على دلالته بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح من غير كونه السياق الذي ورد فيه الخطاب.
• والأمر الثاني الذي نخالف فيه إمام الحرمين وأشياعه هو إحالته حصر القرائن الحالية تجنيسا. وذلك؛ لأن خروج مثل هذه القرائن عن العد والضبط بأفرادها ليس من