ومنها: أن يُعلم بسبب خصوص الواقعة أنه لم يكن للمتكلم داع إلى ذكر الحقيقة فيُعلم أن المراد هو المجاز )) [1] .
ومنه: ما قاله ابن تيمية: بأن (( اللفظ، و إن كان في نفسه مطلقا، فإنه إذا كان خطابا لمعين في مثل الجواب عن سؤال، أو عقب حكاية حال، و نحو ذلك، فإنه كثيرا ما يكون مقيدا بمثل حال المخاطَب. كما لو قال المريض للطبيب أن به حرارة، فقال له: لا تأكل الدسم، فانه يعلم أن النهي مقيَّدٌ بتلك الحال، وذلك أن اللفظ المطلق إذا كان له مسمّىً معهود، أو حالٌ يقتضيه، انصرف إليه ) ) [2] .
ومنه: ما قاله ابن قدامة: بأن (( دلالة الحال تُغيِّر حكم الأقوال والأفعال:
1.فإنَّ من قال لرجل: يا عفيف ابن العفيف، حال تعظيمه، كان مدحا له. وإن قاله، في حال شتمه وتنقُّصه، كان قذفا وذما. ولو قال: إنه لا يغدر بذمة، ولا يظلم حبة خردل، وما أحدٌ أوفى ذمةً منه، في حال المدح، كان مدحا بليغا، كما قال حسان:
فما حملت من ناقة فوق رحلها أبرَّ وأوفى ذمّةً من محمد
ولو قاله في حال الذم كان هجاء قبيحا، كقول النجاشي:
قبيِّلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل ... وهذا في هذا الموضع هجاء قبيح وذم ... ولولا القرينة ودلالة الحال كان من أحسن المدح وأبلغه.
2.وفي الأفعال: لو أن رجلا قصد رجلا بسيف، والحال يدل على المزح واللعب، لم يجز قتلُه. ولو دلت الحال على الجد، جاز دفعه بالقتل )) [3] .
هذا، تقريبا، هو حاصل ما تدور عليه أقوال الأصوليين والفقهاء عن القرينة الحالية من حيث حقيقتها وأنواعها، أو بعبارة أخرى، من حيث تعريفها وتعداد أقسامها. وهو يُظهِر لنا أنهم لم يحاولوا حدها أو تقسيمها.
وإن هم أفاضوا القول، أحيانا، في بعض أنواعها ـ كإفاضتهم القول في السبب الذي ورد عليه اللفظ العام ـ فإن انبعاثهم في هذه الإفاضة لم يكن ناجما عن رؤية كلية للقرائن الحالية بأنواعها المختلفة، وإنما هي مباحث متفرقة تحت هذا الباب أو ذاك.
(1) الرازي، المحصول، ج 1، ص 140.
(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 111.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 7، ص 297، 298.