الفرع الخامس
النوع الخامس من أنواع القرائن الحالية
بيئة الخطاب
وأعني بها ثلاثة أشياء: البيئة العامة، والبيئة الخاصة، والبيئة الأخص.
• أولا: البيئة العامة التي قيل فيها الخطاب: وهي مجموعة العقائد والتصورات والقيم والأعراف والثقافات والعلوم والأفكار والاتجاهات السائدة في المجتمع الذي قيل فيه الخطاب، وهو ما اصطلُح على تسميته أصوليا: بـ (( العرف العام ) ). لكن لا بالمفهوم الضيق الذي قد يشي به تقسيمُهم إياه إلى العرفين: القولي والعملي، وإنما يمتد ليشمل مجموعة العقائد والقيم والثقافات والعلوم والأفكار والاتجاهات السائدة وغير ذلك. فقول أحدهم لآخر في المجتمع الإسلامي: (( إن فلانا يشرب البيرة ) )، يُفهم منه معنى الاستهجان أو الازدراء. بينما لا يُفهم منه، إذا قيل نفسُه في مجتمع غربي منحل، إلا معنى الإخبار أو تحديد نوع المشروب. والسبب في تغيُّر معنى العبارة في المجتمعين هو تغير القيمة الاجتماعية بينهما فيما يتعلق بشرب الخمر.
• ثانيا: البيئة الخاصة: وهي القيم والأعراف والثقافات والعلوم والأفكار والاتجاهات السائدة ضمن البيئة الخاصة التي قيل فيها الخطاب: كبيئة الصناع، أو التجار، أو الزّراع، أو الصحفيين أو السياسيين أو السواقين أو أرباب السوابق وخريجي السجون، أو المعلمين، أو الطلاب، وهكذا ... . وهو ما اصطُلح على تسميته بـ (( العرف الخاص ) ). فعلى سبيل المثال كلمة (( الجمهور ) )إذا استُخدمت في كلام الرياضيين فهي تدل على أولئك الذين يتابعون اللعبة، وفي كلام المخرجين المسرحيين تدل على الذين يواظبون على حضور المسرح، وفي كلام المذيعين تدل على جمهور المستمعين، وفي كلام الصحفيين تدل على جمهور القراء، وفي كلام السياسيين تدل على عموم الناس أو الشعب، وفي كلام الفقهاء تدل على جمهور العلماء، وهكذا ... . فهذا عُرفٌ قولي خاص بطبقة أو وسط معين من الناس. مثال آخر، فيما لو قال أحد السياسيين المقموعين لآخر: (( إن صديقنا فلان قد اعتقلته السلطات ) )، فإنه يُفهم منه أن السلطات هي المخابرات أو ما يوازيها من الجهات الأمنية، وأن سبب الاعتقال إنما هو الرأي المعارض. ولو قال العبارة نفسَها أحدُ أرباب السوابق لمجرم آخر فإنه يُفهم منها أن السلطات هي قوات الشرطة، وأن سبب الاعتقال هو جريمة مادية.
• ثالثا: البيئة الأخص: وهي الوسط المكاني والزماني والبيئي الأكثر قربا إلى الخطاب. فالخطاب ربما قيل في المنزل، أو في محل العمل، أو في المسجد، أو في الشارع، أو في