أردنا تحديد درجة الصراحة التي يتمتع بها لفظ من الألفاظ، فلا يجوز لنا أن نتناول هذا اللفظ هكذا مطلقا، بل لا بد لنا أن نتناوله ضمن معطيات الزمان والمكان اللذيْن يُراد فحص مدى صراحته بالنسبة لهما؛ فرُبَّ صريحٍ في الشام كنائيٌ في الحجاز أو العراق أو العكس، بل ربَّ صريح في عمّان كنائي في إربد أو الكرك أو العكس. وكذا ربَّ صريحٍ صار بعد حين من الزمان كنائيا، وربَّ كنائي صار بعد حين من الزمان صريحا، كما قالوه في لفظ (( الغائط ) )الذي كان يدل، كناية، على الخروج للبراز، لأنه في الأصل اسمٌ لما اطمأن من الأرض، وهي التي كانت تُرتاد عادة للتبرز، ثم بمرور الزمن صار يُطلق على البراز نفسه، حتى صار ظاهرا فيه، فإذا أُطلق لم يُفهم غيره. قال ابن القيم، رحمه الله تعالى،: (( كون اللفظ صريحا أو كناية أمرٌ يختلف باختلاف عُرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان، فكم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان، فلا يلزم من كونه صريحا في خطاب الشارع أن يكون صريحا عند كل متكلم. وهذا ظاهر ) ) [1] .
قلنا سابقا [2] : إن الدليل قُسِّم من حيث وجه إفضائه إلى مدلوله إلى ثلاثة أقسام: الدليل العقلي، والدليل الطبيعي أو الطبعي، والدليل الوضعي، وقلنا، أيضا: إن دلالة الألفاظ على معانيها هي من القسم الثالث من أقسام الدلالة، أي أنها أدلة وضعية. ثم تبين لنا فيما مضى أن الألفاظ ليست على درجة واحدة في الدلالة على معانيها: فمنها الصريح، ومنها غير الصريح، وكل منهما على درجات. والسؤال الآن: هل ما ينطبق على الأدلة اللفظية الوضعية من حيث كونها صريحة وغير صريحة ينطبق في نفس الوقت على قسمي الأدلة الآخرين: العقلي والطبعي؟
وفي الجواب نقول: لا شك أنا إذا تعلقنا بالأسماء دون ما تنطوي عليه من المعاني ـ كما هو دأب أولي العجز ـ لم نجد من قسَّم الأدلة العقلية والطبيعية إلى صريحة وغير صريحة كما هو الأمر في الأدلة اللفظية، لكنا إذا أنعمنا النظر في معنى (( صراحة ) )اللفظ، كما فعلنا آنفا، فوجدناها تنقاس بسرعة إفضاء اللفظ (= الدليل) إلى المعنى المقصود (= المدلول) ، أمكننا سحب هذا المعيار على الأدلة الأخرى من عقلية وطبيعية. أما العقلية: فمنها ما هو بدهي أو ضروري أو أولي: ككون الجزء أقل من الكل، وكون الواحد نصف الاثنين، وكون الشيء لا يكون موجودا ومعدوما في الوقت نفسه، وهو ما يُعبر عنه بكون النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وغير ذلك مما يُستدل به بالبداهة والسرعة،
(1) ابن القيم: إعلام الموقعين، ج 2، ص 24.
(2) ص 63.