ولقد قٌسِّمت الدلالة، إلى ثلاثة أقسام: عقلية وطبيعية ووضعية [1] .
• فأما الدلالة العقلية فهي: ما يُفضي فيها الدال إلى المدلول بواسطة العقل البحت. والمعنيُّ بالعقل البحت هو تلك القوانين أو الموازين الفطرية التي يَستدلُّ العقل بها على كثير من الأفكار والتصديقات بالإثبات أو النفي. كاستدلاله بالأثر على وجود المؤثر، وكاستدلاله بحركة اليد على حركة الخاتم الموجود في إصبع من أصابعها، وكاستدلاله بمسير السفينة في البحر على تحرك ركابها وفق حركتها، وكاستدلاله بوجود الشيء في مكان ما وفي زمان ما على انتفاء وجوده في مكان آخر في نفس الوقت. وهكذا ...
• ويدخل في الدلالة العقلية الاستدلالات المنطقية النظرية المباشرة وغير المباشرة، كالوصول إلى النتائج عن طريق المقدمات كقولهم: الكون حادث، وكل حادث لابد له من محدِث، إذن: فالكون له محدِث. وقولهم: لو كان ثمة أكثر من إله لفسدت السماء والأرض، لكنهما ليستا بفاسدتين، إذن فليس ثمة أكثر من إله، إنما هو إله واحد.
• وأما الدلالة الطبيعية فهي: ما يُفضي فيها الدال إلى المدلول لا بواسطة التلازم العقلي، وإنما بواسطة النظام الذي وضعه الله تعالى في الطبيعة. وهو ما يُعبر عنه كثيرا بـ (( اطراد العادات ) ). ومثال ذلك: دلالة ارتفاع درجة حرارة جسم الإنسان على حالة من حالات المرض، ودلالة حمرة الوجه على حالة الخجل في النفس، ودلالة وجود شيء قابل للاحتراق في النار على احتراقه فيها، وهكذا ... . فالاختبار المتكرر للأحداث الطبيعية هو الذي قد نبَّه على التلازم بين الدال والمدلول في هذه الأمثلة، وفي غيرها مما هو مثلها. وليس لدى العقل المجرد ما يمنع من انفكاك هذا التلازم لو ثبت ذلك في الواقع ولو نادرا، وبهذا تختلف الدلالة الطبيعية عن العقلية، إذ العقلية لا انفكاك لها أبدا [2] .
(1) انظر لتوثيق هذه الأقسام وشرحها والتمثيل لها: الميداني: عبد الرحمن حسن حبنكة، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، ط 4، 1414 ه=1993 م، ص 4. والزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 36،37. وابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 1، ص 125.
(2) ومن هنا قال إمام الحرمين في الفرق بين القرائن الحالية والأدلة العقلية: (( ومما نذكره في حكم القرائن [الحالية] أن اقتضاءها للعلوم الضرورية، وإن أشعر بارتباط قرائن، فليست تجري عند المتكلمين مجرى أدلة العقول، فإن الأدلة العقلية إذا تمت في الفكر، ولم يعقبها مضاد ضروري للعلم بالمدلول، فلا بد من وقوع العلم به مع ذكر المدلول في النفس، فلو قَلَبَ الله، تعالى، مجرى العوائد لم يمنع قيام قرائن الأحوال من غير علم نعتاده الآن، فهي من وجه متعلقة بالعلم، ومن وجه ليست مقتضية له لأعيانها اقتضاءً واجبا، بل هي جارية على عوائد مطردة ) ). الجويني، البرهان، ج 1،، ص 186.