فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 384

الفصل الرابع

تقسيمات القرينة عند الأصوليين

من المناهج التي يستخدمها الأصوليون، بشكل ملموس، أثناء عرضهم للمادة الأصولية، التقسيمُ المنطقي لأجزائها، بحيث يتبين لك الجزء لا من حيث ذاته فحسب، بل ومن حيث موقعه من الكل وعلاقته بباقي الأجزاء. وهذه صفة البحث العلمي الجاد، إذ أنها، من جهة، تساعد على تنظيم البحث وضبط مفرداته، وبالتالي تعصم الباحث من الفوضى والاستطراد غير المحمود، ومن جهة أخرى تسهِّل عملية فهم مادة البحث واستيعابها وحفظها من قبل القارئ أو الدارس. فالتقسيم، والتقسيمُ المنطقي الذي تتضح العلاقة فيه بين الأجزاء فقط، لا العشوائي المرتجل [1] ، هو بمثابة المخطَّط الهندسي من البناء، أو بمثابة الهيكل العظمي من الجسد، لولاهما لما انتظمت للبناء صورة متناسقة، ولا للجسد قوامٌ حسن.

وفي مجال القرائن لم نجد من الأصوليين من تعرض لتقسيم القرائن قسمة جامعة تتضمن جميع أنواع القرائن التي يمكن استقراؤها في كتبهم من: قرائن الثبوت، وقرائن الإحكام، وقرائن الترجيح، وقرائن الدلالة. وإنما تعرضوا فقط لتقسيم بعض هذه الأنواع كلا على حدة، وفي الغالب من غير تسمية هذه القرائن بـ (( القرائن ) )، كما هو الحاصل، مثلا، في المرجِّحات (= قرائن الترجيح) ، إذ قسّموها إلى ما يعود إلى السند وإلى ما يعود إلى المتن وإلى ما يعود إلى مدلول النص وإلى ما يعود إلى أمر من خارج.

وإذا كان ما قلناه من عدم تسمية الأصوليين للقرائن عند تقسيمها بـ (( القرائن ) )ينطبق على قرائن الثبوت وقرائن الإحكام وقرائن الترجيح إلى حد كبير، فإنه لا ينطبق بتاتا على قرائن الدلالة؛ إذ قد جاء تقسيم الأصوليين لها، فيما وردت عنهم من تقسيمات، مصرِّحا بتسميتها بـ (( القرائن ) ). ومن هنا نوَّهنا أكثر من مرة فيما سبق بأن قرائن الدلالة هي لب البحث الأصولي في القرائن، حتى إنه لو قيل بقصر نطاق نظرية القرائن على هذا النوع منها فقط لما كان في ذلك بأس. وإن كنتُ أرى شخصيا، وكما سبق أن ذكرت، أن توسيع نطاق النظرية ليشمل باقي الأنواع التي ذكرناها أكثر انسجاما مع المنطق، وأوفر تحصيلا للفائدة، على

(1) ومن هنا فلقد عدَّها إمام الحرمين من المآخذ على كتاب الماوردي: الأحكام السلطانية، أنه: (( ذَكّرَ جُمَلا في أحكام الإمامة في صدر الكتاب، واقتصر على نقل المذاهب ولم يقرنْ المختار منها بحجاج، وإيضاحِ منهجٍ به اكتراث. وأحسن ما فيه: ترتيبُ أبواب، وذِكْرُ تقاسيم وألقاب، ثم ليس لتقاسيمه صدرٌ عن دراية، وهدايةٌ إلى منشأ الأقسام عن قواعدها وأصولها ) ). الجويني، الغياثي، ص 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت