المطلب الأول
القرينة في اللغة
مما يُلحظ على المادَّة اللغوية (( قرن ) )وما تفرع عنها في المعجم أنها مادَّة خصبة جدا، انبثق عنها الكثير من المعاني اللغوية المختلفة، والتي تكاد تصل إلى المائة أو تزيد [1] .
والذي أخمِّنه، استهداء بقانون تطوُّر دلالة الألفاظ من الحسِّيات إلى المعنويات [2] ، هو أن هذه المعاني، ككل، ترتد إلى أصل واحد هو:
(( القَرْن ) ): بمعنى العَظْم الناتِئ من رأس الحيوان كالثور وغيره.
أ. وهو المعنى الذي تطوَّر عن طريق المشابهة الحسية: إلى (( القَرْن ) )بمعنى ضفيرة المرأة، وإلى (( قرْني ) )الجرادة، وهما شعرتان في رأسها، وإلى الحية (( القَرْناء ) )، وهي ما كان لها لحمتان في رأسها، وإلى (( قرْني ) )البئر، وهما المنارتان المبنيتان على رأسه. وإلى (( القَرْن ) )بمعنى الجبل الصغير المنفرد، وإلى (( قُرْنة ) )الشيء، بمعنى الطرف الشاخص منه ... الخ
ب. وتطور، كذلك، عن طريق المشابهة في معنى الرِّفعة والعلو خاصة: من الناحية الحسِّية، إلى (( قَرْن ) )الجبل بمعنى أعلاه، وإلى (( قَرْن ) )الأَكَمة بمعنى رأسها، وإلى (( قَرْن ) )الشمس بمعنى أعلاها، وإلى (( أقْرَن ) )الرمحَ بمعنى رَفَعَه. ومن الناحية المعنوية، إلى (( قَرْن ) )القوم بمعنى سيدهم، وإلى (( قَرْن ) )الحول بمعنى رأسه، أو آخره وأول الثاني، وإلى (( قَرْن ) )الكلأ بمعنى خيره، ثم قالت العرب: أصاب (( قَرْنَ الكلأ ) )أي أصاب مالا وافرا.
ج. ولأن (( القَرْن ) )لا يكون في رأس الحيوان إلا وآخرُ مماثلٌ له إلى جواره، فقد تطور اللفظ ـ والله أعلم ـ عن طريق هذا الوجه من الشَّبه الذي هو المماثلة: إلى (( القَرْن ) )، بفتح القاف، بمعنى المثيل في السن، وإلى (( القِرْن ) )، بكسر القاف، بمعنى المثيل في البأس أو الند والنظير، ومن معنى النِّديَّة هذا اشتُق الفعل (( أقْرَنَ ) )بمعنى أطاق، لكون الشيء المُطاق صار قِرْنا للمطيق، وإلى (( القِران ) )بمعنى النَّبْل المستوية من عمل صانع واحد، وإلى (( القَرْن ) )بمعنى الأمَّة أو أهل الزمان الواحد لتماثلهم في أمور كثيرة، ومنه الخبر:"خير"
(1) انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 331. والفيروزآبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 6، 1419 ه=1998 م، ص 1223.
(2) قال الدكتور أحمد قدور، مبادئ اللسانيات، دار الفكر، دمشق، ط 1، 1416 ه=1996 م، ص 338:
(( ثمة مجالات ثلاثة تظهر فيها التغيرات الدلالية:
1.المجال الأساسي الذي يمثل الأصل الحسي الأول للدلالة.
2.المجال الحسي الذي يشهد التغير بين المحسوسات عن طريق التخصيص والتعميم والنقل.
3.المجال الذهني الذي ترقى إليه الدلالة الحسية من خلال أشكال متنوعة أهمها المجاز )) .