فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 384

شدة الحر، فسأل: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: ليس من البر الصيام في السفر [1] . فقرينة سبب ورود هذا الحديث إذن، وبحسب رأي جمهور الفقهاء، هي قرينة حالية ألقت أثرا توضيحيا على مراد الشارع من النص، عن طريق (( التخصيص ) )، الذي يُعرَّف على أنه بيانٌ لمراد الشارع من اللفظ العام. ولولا هذه القرينة لم يكن لنا الوقوف على حقيقة هذا المراد.

سابعا: العلاقة بين الحال وبين المقال والسياق:

قلنا سابقا بأن (( المعنى الكامل للخطاب ) )، الذي هو غاية التدبر، هو حصيلة المعاني الثلاثة:

1.معنى مقال الخطاب.

2.ومعنى السياق الذي ورد فيه الخطاب.

3.ومعنى الحال التي ورد فيها الخطاب [2] .

ولئن كان بالإمكان الفصل الدقيق، إلى حد ما، بين مقال الخطاب، وبين السياق الذي ورد فيه الخطاب، وذلك عن طريق القول بأن حد الخطاب هو حد الجملة التامة المقصودة، فإنه ليس من السهل أن نفْصل، بالدقة نفسها، بين الحال التي ورد فيها الخطاب من جهة، وبين كلٍّ من: مقال الخطاب، والسياق الذي ورد فيه، من جهة أخرى. وذلك لأنه ثمة نقاط تداخل وتقاطع بين الحال، وبين كل من المقال والسياق. وهذا التداخل هو تداخل حقيقيٌ في واقع الأمر، واصطلاحيٌ في لغة العلماء، ويدل على ذلك وصفُهم القرينة أحيانا بأنها حالية أو مقالية أو سياقية، مع كونها قرينةً واحدة في الحالات الثلاث.

أما التداخل بين الحال وبين المقال فيظهر أكثر ما يظهر بين ما سنسميه لاحقا بـ (( حال المُخبَر عنه ) )، أو (( محل الكلام ) ) [3] ، وبين المادة المعجمية من مواد المقال عندما تكون هذه المادة قرينة على معنى ما في الخطاب. فمثلا، في المثال الذي ضربناه سابقا [4] على كون

(1) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 183.

(2) ومما قد يشير، نوعا ما، إلى وقوف الأصوليين على هذا التشقيق الثلاثي للمعنى الكامل للخطاب قول العلامة مجد الدين أبو البركات ابن تيمية، رحمه الله: (( جهات معرفة مراد المتكلم ثلاثة في كلام الشارع وكلام العباد من حالفٍ وغيره:

أحدها: العلم بقصده من دليل منفصل: كتفسير السنة للكتاب، وتخصيص العموم، وقول الحالف أردت كذا. [وهذا هو السياق ـ الواسع ـ الذي ورد فيه الخطاب] .

والثاني: سبب الكلام وحال المتكلم. [وهذان نموذجان لأهم قرائن الحال التي ورد فيها الخطاب] .

والثالث: وضع اللفظ مفرده ومركبه، ويدخل فيه القرائن اللفظية. [وهذه هي مواد المقال ما يُعد منها قرينة وما لا] )) . آل تيمية، المسودة، ص 118.

(3) ص 265.

(4) انظر: ص 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت