الفصل الثاني
ركن القرينة وشروطها
انطلاقا من كون الركن هو الجزء الداخل في ماهية الشيء دون ما هو خارج عنه [1] نجد بأن القرينة تتكون من ركن واحد هو: الشيء المقترِن وهو الدليل أو الشيء الدال. وأما باقي العناصر التي تدخل في مفهوم القرينة فهي مجرد شروط وهي:
الشرط الأول: الشيء المقترَن به وهو النص.
الشرط الثاني: الاقتران بينهما.
والشرط الثالث: التأثير، أي تأثير القرينة على النص.
وإليك هذا الركن والشروط بشيء من التفصيل والتعريف:
ركن القرينة: الدليل أو (( المقترِن ) ):
الدليل، كما قلنا، هو (( ما يلزم عن العلم به العلم بشيء آخر ) )أو هو (( ما يُوصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب ) ). والقرينة الأصولية، كدليل، تندرج ـ اندراج الخاص في العام ـ في هذا التعريف، فيلزم عن العلم بها العلم: إما بثبوت النص الذي اقترنت به، وإما بدلالته، وإما بإحكامه ونسخه، وإما برجحانه. ويُوصَل بواسطتها إلى المطلوب من الجوانب التي ذكرنا.
وكل دليل لا بد له من مدلول. وهما ـ أي الدليل والمدلول ـ ببساطة، شيئان يرتبط أحدهما بالآخر بواسطة علاقة اقتران. وذلك على النحو التالي:
وعلاقة الاقتران هذه هي عملية إفضاء يُدلي بها الدليل إلى المدلول، أو هي آلية الإيصال بينهما. ويُعبر عنها في اللغة المنطقية، وبالتبع الأصولية، بـ (( الدلالة ) ) [2] .
(1) قال المناوي: (( ركن الشيء، لغة، جانبه القوي. واصطلاحا: ما يقوم به ذلك الشيء. من التقوم، إذ قوام الشيء ركنه، لا من القيام، وإلا لزم أن يكون الفاعل ركنا للفعل، والجسم ركنا للعرض، والموصوف للصفة. ذكره ابن الكمال. وفي المفردات: ركن الشيء جانبه الذي يسكن إليه، ويُستعار للقوة، ومنه: {أو آوي إلى ركن شديد} [هود/80] . وأركان العبادة: جوانبها التي عليها مبناها وبتركها بطلانها. وفي المصباح: أركان الشيء: أجزاء ماهيته. قال: والغزالي [وهو يمثِّل رأي الجمهور ما عدا الحنفية] جَعَل الفاعل ركنا في مواضع، كالبيع والنكاح، ولم يجعله ركنا في مواضع، كالعبادات، والفرق عسير ) ). انظر: المناوي، التوقيف، ص 373.
(2) ولقد عرَّف الأصوليون الدلالة بأنها: (( هي ما يلزم من فهم شيء ـ أي شيء كان ـ فهم شيء آخر. يعني: كون الشيء [بحيث] يلزم من فهمه فهم شيء آخر. فالشيء الأول هو الدال، والشيء الثاني هو المدلول ) ). [ابن النجار: محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، شرح الكوكب المنير، مكتبة العبيكان، الرياض، 1413 ه=1993 م، ج 1، ص 125] . ولعل الذي اخترناه من كون الدلالة هي عملية إفضاء الدليل إلى المدلول أقرب إلى الفهم وأيسر في التعليم، من تعريفها بما ذكروه من كونها تعني كينونة الشيء دالا، لا سيما عند إرادة تقسيم الدلالة إلى أنواعها الثلاثة: العقلية والطبيعية والوضعية.