فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 384

ويمكننا تشبيه هذا العقل الغريزي بقسميه بالحاسب الآلي عند أول شرائه. فالمادة الصلبة من الحاسب المُشترى كالقطع والأسلاك والأجزاء المختلفة، تمثل القسم الأول من العقل الذي هو آلة التمييز. والمادة غير الصلبة من الحاسب، والتي هي برنامج ونظام التشغيل الأساسي، تمثل القسم الثاني من العقل الغريزي الذي هو العلوم الضرورية. فكما لا يستطيع الحاسب القيام بمهامه من غير مادتيه الصلبة وغير الصلبة فكذلك العقل الغريزي لا يستطيع القيام بعملية الإدراك من غير الآلة والعلوم الأولية الكامنة في هذه الآلة. وعليه، فليس العقل الغريزي جوهرا فحسب أو عرضا فحسب، كما قد ظن البعض، بل هو قسمان: أحدهما جوهر، والآخر عرض قائم بذلك الجوهر.

والنوع الثاني: العقل المكتسب، أو قل: العقل المستفاد: وهو العقل الغريزي نفسه بعد أن يستعمله صاحبه في إدراك علوم جديدة غير العلوم الأولية التي فُطِر عليها. فهذا العقل يزداد بتعدد الخبرات وتعدد المعلومات. فهو كالحاسب الآلي بعد أن استعمله مشتريه، وأخذ يُدخل إليه الكثير من البرامج والبيانات التي تلزمه لأداء ما يُراد منه.

ثانيا: العقل كأداة لازمة لتدبر الخطاب:

بعد إحضار المتدبر الأدوات المعرفية المتعلقة بالخطاب من مقال وسياق وحال في ذهنه يبدأ دور عقله ـ بقسميه الغريزي والمكتسب ـ في معالجة هذه المعارف للوصول من خلال ذلك إلى المعنى الكامل للخطاب.

فبإعمال عقله في مقال الخطاب، بمواده الثلاث المعجمية والصرفية والتركيبية، يتحصل المتدبر على (( معنى مقال الخطاب ) ).

وبإعماله في السياق والحال اللذين ورد فيهما الخطاب يتحصل المتدبر على كلٍّ من (( معنى السياق الذي ورد فيه الخطاب ) )، و (( معنى الحال التي ورد فيها الخطاب ) ).

ثم بالتوليف والتنسيق والجمع بين هذه المعاني الثلاثة: (( معنى المقال ) (( معنى السياق ) (( معنى الحال ) )، يتحصل المتدبر على (( المعنى الكامل للخطاب ) ).

إذن، العقل ـ ومحله القلب في لغة الشارع ـ هو أسّ العملية التدبُّرية، وهو حاضر في جميع خطواتها وأجزائها ومراحلها، ومن هنا لم يكن عجبا أن قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا { (محمد:24) ، وقال تعالى:} إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانهم وقرا (الكهف:57) ، وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (قّ:37) ، نلاحظ هنا دور القلب، وهو الذي يمثل الأداة العقلية، ودور السمع، وهو الذي يمثل الأداة المعرفية، في حصول الذكرى والعظة والعبرة، والتي هي الغايات النهائية للتدبر. وتظهر، أيضا، هذه الثنائية بين الأداة العقلية، والأداة المعرفية، أي بين القلب والسمع، في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت